Demonstration Sean Gallup/Getty Images

الاستفادة من وحدة المناخ

بون ــ عندما انتُخِب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة قبل عام واحد، قال بعض المراقبين إن نهاية اتفاق باريس للمناخ باتت قريبة. مع ذلك، وكما أظهرت الجولة الأخيرة من محادثات المناخ العالمي في بون بألمانيا، أصبح زعماء العالم السياسيون أكثر التزاما بالاتفاق من أي وقت مضى. وهي أنباء طيبة، ولكن الحقيقة تظل أن التزامات الدول لا تشكل في مجموعها حتى الآن ما يكفي لتحويل المد ــ ومن الواضح أن نافذة الفرصة للعمل بفعالية في التصدي لقضية تغير المناخ تنغلق بسرعة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كان القرار الذي اتخذه ترمب بسحب الولايات المتحدة ــ الدولة الأكثر إطلاقا للانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون تاريخيا ــ من اتفاق باريس بمثابة ضربة قوية للاتفاق. وقد أصابت هذه الخطوة العديد من أقرب حلفاء أميركا ــ بما في ذلك دولتنا جزر المارشال وأستراليا ــ بخيبة أمل عميقة، بسبب ما اتسمت به من قِصَر نظر شديد في تقدير مصالح أميركا والعالَم.

ولكن من الصعب أن لا نستمد الشجاعة من الموجة الجديدة من العزيمة العالمية التي أطلق لها قرار ترمب العنان، سواء على المستوى العالمي أو داخل الولايات المتحدة. فالآن، تعهدت كل الولايات والمدن والشركات الأميركية تقريبا ببذل المزيد من الجهد لضمان تمكين الولايات المتحدة من الوفاء بالتزاماتها على الرغم من معارضة إدارة ترمب.

كان من المفيد بكل تأكيد أن يتحول العمل المناخي الآن إلى أكبر فرصة اقتصادية في العالَم. فوفقا لتحليل إدارة ترمب ذاتها، يعمل في صناعة الطاقة الشمسية من الأميركيين الآن أكثر من ضعف الأميركيين الذين يعملون في صناعات الفحم والنفط والغاز مجتمعة. وفي وقت سابق من هذا العام، أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أننا قادرون على تعزيز النمو العالمي بنحو 5% سنويا بحلول عام 2050، من خلال الربط بين أجندتي المناخ والنمو ببساطة.

ليس هناك مجال لإضاعة الوقت؛ فقد وصل تغير المناخ بالفعل. وتشهد على ذلك أحداث هذا العام من جفاف غير مسبوق في جزر المارشال، والعواصف المروعة في منطقة الكاريبي، والفيضانات المدمرة في بنجلاديش والولايات المتحدة.

وكما ذَكَّرَنا برنامج الأمم المتحدة للبيئة مؤخرا، فحتى لو حققت كل دولة أهدافها الحالية لخفض الانبعاثات بحلول عام 2030، فلن نتمكن من الحد من ارتفاع درجات الحرارة بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة ــ وهي العتبة المعترف بها في اتفاق باريس، والتي يُصبِح تأثير تغير المناخ بتجاوزها أعظم كثيرا. وحتى احتمالات البقاء في حدود هدف الدرجتين المئويتين الأكثر تحفظا ــ وخطورة ــ ستكون ضئيلة.

إن تجاهل هذه الحقيقة يعني المقامرة بالمستقبل الوجودي للعديد من الدول الجزر، ناهيك عن ازدهار الاقتصاد العالمي. وفي غياب ارتفاع حاد في الطموح العالمي في ما يتصل بخفض الانبعاثات بحلول عام 2020، فلن نتمكن من إنقاذ الدول الأكثر عُرضة للخطر في العالَم. وإذا استمر تغير المناخ الجامح فلن تكون أي دولة محصنة ضد عواقبه.

من المؤسف أن الأمور ستسوء كثيرا قبل أن تتحسن. ولهذا، يتعين علينا أن نسارع إلى مضاعفة جهودنا لتعزيز قدرتنا على الصمود في مواجهة التأثيرات المناخية التي لن نتمكن من تجنبها، وأن نعالج العواقب الأمنية المرتبطة بهذه التأثيرات.

في غضون ذلك، يتعين علينا أن نعمل على وجه السرعة على زيادة طموح التزاماتنا المناخية. ومن حسن الحظ أن العديد من الأحداث المقبلة تقدم لنا الفرصة للقيام بهذا على وجه التحديد. ونحن في احتياج إلى اغتنام هذه الفرصة بكل ما أوتينا من قوة.

في الشهر المقبل، يستضيف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤتمرا للاحتفال بالذكرى السنوية الثانية لاتفاقية باريس. وفي سبتمبر/أيلول المقبل، يستضيف حاكم ولاية كاليفورنيا جيري براون قمته الخاصة لحشد قدر أعظم من العمل المناخي من قِبَل المدن، والشركات، وغير ذلك من القوى غير التابعة لدولة بعينها. بيد أن الفرصة الأعظم سوف تأتي في عام 2019، عندما يجمع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس زعماء العالم في نيويورك للمشاركة في أكبر تجمع مناخي منذ اتفاق باريس.

يتعين علينا أن نعمل على بناء طموح شامل عبر هذه الأهداف الكفيلة بتوفير مسار للبقاء للفئات الأكثر عُرضة للخطر، كما قال في مؤتمر باريس صديقنا توني دي بروم، وزير خارجية جزر المارشال الراحل والمحارب الذي لم يعرف كللا أو مللا في ساحة معركة المناخ.

الحق أن بعض القوى المؤثرة تذهب إلى تجاوز تعهداتها بالفعل. ويستعد عدد من الدول الأخرى، بما في ذلك جزر المارشال، لوضع أهداف جديدة بحلول عام 2020، لتعظيم أهدافها الحالية، والتي لن تصل قبل عام 2025. كما ذكرت دول أخرى بشكل غير رسمي ــ بما في ذلك فرنسا والهند ونيوزيلندا ــ أنها حريصة على بذل المزيد من الجهد.

الحقيقة هي أن كل الدول تقريبا لديها القدرة على بذل المزيد من الجهد، وخاصة إذا توفر الدعم وجرى تحديد الفرص. تتلخص الضرورة الحتمية الآن في خلق الظروف السياسية المناسبة لتحفيز العمل وتسهيله. ومع تزايد أعداد البلدان التي تشير إلى قدرتها على زيادة طموح التزاماتها، فسوف تحذو حذوها دول أخرى.

في الوقت نفسه، يتعين علينا أن نضمن قيام كل قطاع، وكل بلد، بنصيبه العادل. ويشمل هذا، على سبيل المثال، قطاع الشحن البحري الدولي، والذي لو كان دولة فإنه كان ليعَد سادس أكبر مصدر للانبعاثات على مستوى العالَم.

وسوف يساعد "حوار تالانوا" في العام المقبل ــ والذي من المقرر أن يعقد في فيجي، التي أصبحت في الأسبوع الفائت أو دولة جزيرة تتولى رئاسة محادثات الأمم المتحدة المناخية ــ دول العالم في تحديد الكيفية التي يمكنها بها على وجه الدقة تحقيق الأهداف المحددة في اتفاق باريس. والواقع أن هذا الحوار، الذي ينبغي للدول المختلفة أن تتعامل معه من منطلق النوايا الحسنة، لابد أن يكون نقطة انطلاق للمزيد من العمل. ولتحقيق هذه الغاية، سيكون التقرير الصادر عن اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ مؤخرا، والذي يحدد المسارات الواجب اتخاذها للإبقاء على الارتفاع في درجات الحرارة دون عتبة الدرجة ونصف الدرجة المئوية، عظيم الأهمية. ويبقى العِلم هو المفتاح إلى النجاح.

أثبتت محادثات باريس أن النجاح السياسي ممكن، إذا أعطي القادة منصة الانطلاق الصحيحة، وإذا احتشدت منظمات المجتمع المدني خلفهم، وإذا تحرك العالم في انسجام وتناغم. ولكي يتسنى لنا رسم بقية الطريق إلى مستقبل مستدام، يتعين علينا أن نطبق هذا الدرس مرة أخرى. كان الشعار في مؤتمر بون هو "المزيد من العمل، والعمل بسرعة أكبر، والعمل معا". ويتلخص التحدي الجمعي الذي يواجهنا في ترجمة شعار ذي وقع لطيف إلى حقيقة واقعة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/uGTGNEi/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now