singer203_ Sergei MihailicenkoAnadolu Agency via Getty Images_russians arrested Sergei MihailicenkoAnadolu Agency via Getty Images

من ميونيخ إلى موسكو

برينستون ــ لم يكن تبرير الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لغزو أوكرانيا أصليا حقا. فكما لاحظ آخرون، يُـذَكِّرنا ادعاؤه بأن الغزو أوجبته "الإبادة الجماعية" الجارية ضد المنتمين إلى العِـرقية الروسية في منطقة دونباس بالاستراتيجية التي انتهجها هتلر لتدمير تشيكوسلوفاكيا الديمقراطية في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

هدد هتلر بغزو تشيكوسلوفاكيا لدمج مناطق حدودية هناك تضم مجموعة سكانية ناطقة باللغة الألمانية في الرايخ. لم يكن مضطرا لتنفيذ تهديده بالغزو، لأن قادة المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، بينما كانت مذبحة الحرب العظمى لا تزال حية في ذاكرة الجميع، أذعنوا لمطالبه في مؤتمر ميونيخ عام 1938. ولكن في غضون ستة أشهر، انتهك النازيون اتفاقية ميونيخ، وأنشأوا محمية بوهيميا ومورافيا على الأراضي التشيكية، وأقاموا دولة دُمـية سلوفاكية مستقلة اسميا. ثم بدأ هتلر يطالب بشريحة من بولندا.

بدأ هجوم بوتن على أوكرانيا بطريقة مماثلة، مع الاستيلاء على شبه جزيرة القرم وإنشاء دويلتين مدعومتين من الكرملين في منطقة دونباس الشرقية الناطقة باللغة الروسية في عام 2014. كان هذا انتهاكا صارخا لمذكرة بودابست بشأن الضمانات الأمنية، التي بموجبها تخلت أوكرانيا، إلى جانب بيلاروسيا وكازاخستان، عن الترسانات النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي. في المقابل، تعهدت روسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة باحترام سيادة واستقلال الدول الثلاث ضمن حدودها القائمة.

وتماما كما لم تتخذ المملكة المتحدة وفرنسا أي إجراء جاد عندما مزق هتلر على نحو تدريجي معاهدة فرساي، لم تقم أي دولة بأي تحرك جاد بالقدر الكافي لجعل الروس يندمون على ضم شبه جزيرة القرم الذي حظي بشعبية واسعة النطاق وتشجيع النزعة الانفصالية في منطقة دونباس.

كانت مطالبة هتلر بالسيادة على منطقة سوديتنلاند في تشيكوسلوفاكيا، كما قال في ذلك الحين، "آخر مطالباتي الإقليمية في أوروبا". لكن كل من قرأ كتاب "كفاحي" كان ينبغي له أن يعرف عن طموحاته في خلق "مجال حيوي" للألمان في أوروبا الشرقية. على نحو مماثل، من المعقول أن نظن أن بوتن، الذي وصف تفكك الاتحاد السوفييتي بأنه كارثة، يريد استعادة الهيمنة الروسية على الأراضي السوفيتية السابقة. إذا تمكن بوتن من الإفلات من تبعات احتلال أوكرانيا وتنصيب نظام دُمية، فهل تكون دول البلطيق السوفييتية السابقة، وخاصة إستونيا ولاتفيا، التي تضم أقليات ضخمة ناطقة باللغة الروسية، هي التالية؟

يتمتع بوتن بميزة كبرى افتقر إليها هتلر لحسن الحظ: الأسلحة النووية. لقد حذر بوتن الدول التي قد تحاول التدخل في "العملية العسكرية" الروسية في أوكرانيا باختبار صاروخ قادر على حمل سلاح نووي قبل وقت قصير من شن الغزو، قائلا إن أي دولة تتدخل ستواجه "عواقب لم تر لها مثيلا من قبل". وبعد أربعة أيام من بدء الغزو، وضع القوات النووية الروسية في حالة تأهب.

Secure your copy of PS Quarterly: Age of Extremes
PS_Quarterly_Q2-24_1333x1000_No-Text

Secure your copy of PS Quarterly: Age of Extremes

The newest issue of our magazine, PS Quarterly: Age of Extremes, is here. To gain digital access to all of the magazine’s content, and receive your print copy, subscribe to PS Premium now.

Subscribe Now

كيف إذن يمكن إيقاف بوتن؟

يجري الآن بالفعل فرض العقوبات الاقتصادية، بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الروسية وبدء مقاطعة السلع الروسية. يتعين على الدول المجاورة، وخاصة بولندا، أن تغلق أيضا الطرق البرية أمام الشاحنات الروسية. من المؤسف أن هذه التدابير ستلحق الضرر بكل الروس، بمن فيهم أولئك الذين يعارضون الحرب. ولكن هل توجد أي طريقة أخرى لمنع بوتن من تحقيق أهدافه؟

قرر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشجاعة البقاء في كييف، وحشد الأوكرانيين لمحاربة القوات الروسية المتقدمة. وإذا تمكنوا من تكبيد القوات الروسية تكاليف كبيرة، فقد يساعد هذا في إيقاف بوتن، وإن كان أغلب الخبراء العسكريين يعتقدون أن النصر العسكري الروسي أمر لا مفر منه.

ربما من منطلق إدراكه لهذه الحقيقة، دعـا زيلينسكي الشعب الروسي إلى وقف الحرب. ويحاول العديد من الروس القيام بذلك على وجه التحديد. بعد إعلان الغزو، اندلعت الاحتجاجات في ما يقرب من 55 مدينة في روسيا. تقول منظمة مراقبة مستقلة إن 5000 شخص اعتُـقِـلوا بتهمة المشاركةفي الاحتجاجات دون إذن مسبق، لكن كثيرين آخرين يواصلون الاحتجاج. في وقت كتابة هذا التعليق، وضع أكثر من مليون روسي شجاع أسماءهم على عريضة "أوقفوا الحرب".

لم تتوقف الاحتجاجات عند ذلك الحد. فقد نشر دميتري موراتوف، الحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 2021 ورئيس تحرير صحيفة نوفايا جازيتا، وهي واحدة من آخر الصحف المستقلة المتبقية في روسيا، مقطع فيديو دعا فيه الروس إلى الانتفاض ضد الحرب، قائلا: "إن حركة مناهضة الحرب من جانب الروس هو وحدها القادرة على إنقاذ الحياة على هذا الكوكب". وقد استقالت يلينا كوفالسكايا، مديرة مركز مسرح ماير هولد الذي تديره الدولة، احتجاجا على الهجوم على أوكرانيا، قائلة: "من المستحيل العمل مع قاتل والحصول على راتب منه". كما وقع أكثر من 150 عالما وصحافيا علميا على خطاب نُـشِـر على موقع علمي روسي، معربين عن أسفهم إزاء روسيا التي حكمت على نفسها بالعزلة واكتساب مكانة الدولة المارقة. ووقع عدد مماثل من نواب البلديات من العديد من المدن على خطاب يدين الهجوم باعتباره "عملا فظيعا غير مسبوق"، مضيفين أن "الآمال في حياة كريمة في روسيا تتداعى أمام أعيننا".

ما نحتاج إليه الآن أيضا هو أن يتوقف الجنود الروس في أوكرانيا عن خوض حرب ظالمة. تشير تقارير غير مؤكدة إلى أن بعض الجنود رفضوا بالفعل دخول أوكرانيا. الواقع أن الروس يتمتعون بإمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من المعلومات بخلاف الدعاية التي تروج لها وسائل الإعلام التي تديرها الدولة، ولهذا ينبغي لهم أن يعرفوا أنهم جزء من حرب عدوانية. إن قتل الناس عمدا دون سبب كاف جريمة، وهذا هو ما سيفعله الجنود الروس إذا أطاعوا الأوامر باستهداف الأوكرانيين بأسلحة فتاكة. والانصياع للأوامر ليس عذرا، تماما كما لم يكن عذرا لأولئك الذين كانوا تحت قيادة هتلر.

من الآن فصاعدا، طالما ظل بوتن زعيم روسيا، يجب أن يُـنـظَـر إليها على أنها دولة منبوذة دوليا. ويجب أن تكون العقوبات قوية بالقدر الكافي لضمان أن الروس يرون آمالهم في حياة طيبة تنهار.

ربما يكون هذا غير عادل بشكل خاص لأولئك الذين عارضوا الحرب علانية. ولكن كيف يتسنى لهم بغير ذلك أن يأملوا في التخلص من بوتن ووضع زعيم آخر في محله على استعداد للالتزام بالمبادئ الأخلاقية والقانون الدولي؟ في بعض الأحيان، ينظر المهزومون إلى معاناتهم على أنها تحرر. وما عليك إلا أن تسأل الألمان اليوم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي            Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/48Z3Oerar