هل الاقتصاد عِلم؟

نيوهافين ــ أنا أحد الفائزين بجائزة نوبل هذا العام في علوم الاقتصاد، وهو ما يجعلني مدركاً بقوة للانتقادات الموجهة إلى الجائزة من قِبَل أولئك الذين يزعمون أن الاقتصاد ــ خلافاً للكيمياء والفيزياء والطب، وهي الأفرع الأخرى التي تُمنَح عنها الجائزة ــ ليس عِلما. تُرى هل هم على حق؟

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

إحدى المشاكل التي تحيط بالاقتصاد هي أنه يركز بالضرورة على السياسة، وليس على استكشاف الأساسيات. ولا أحد يبالي حقاً بالبيانات الاقتصادية إلا كدليل إلى السياسة: فالظواهر الاقتصادية لا تثير في أنفسنا نفس الافتتان الغريزي الذي تثيره ظواهر مثل الأصداء الداخلية للذرة أو عمل مكونات الخلية الحية. ونحن نحكم على الاقتصاد بما يستطيع إنتاجه. وعلى هذا النحو فإن الاقتصاد يصبح أشبه بالهندسة وليس الفيزياء، وأقرب إلى العملية من الروحانية.

ولا تمنح مؤسسة نوبل جائزة في مجال الهندسة، ولو أنها لابد أن تُمنَح في ذلك المجال. صحيح أن جائزة الكيمياء هذا العام تبدو أقرب بعض الشيء إلى الهندسة، لأنها مُنِحَت لثلاثة باحثين ــ مارتن كاربلس، ومايكل ليفيت، وآرييه وارشل ــ "عن تطوير نماذج متعددة النطاقات لأنظمة كيميائية معقدة" والتي تشكل الأساس لبرامج الكمبيوتر التي تجعل أجهزة الرنين المغناطيسي النووية تعمل. ولكن مؤسسة نوبل تضطر إلى النظر في قدر أكبر كثيراً من هذه المواد العملية التطبيقية عندما يتعلق الأمر بجائزة الاقتصاد.

والمشكلة هي أننا بمجرد أن نركز على السياسات الاقتصادية، تفرض عناصر كثيرة غير علمية تأثيرها. فتتدخل السياسة في الأمر، ويكافأ الاستعراض السياسي بإفراط من خلال اهتمام الرأي العام. بيد أن جائزة نوبل مصممة لمكافأة أولئك الذين لا يمارسون الحيل لجذب الانتباه، والذين قد يُستَخَف بهم في سعيهم المخلص الصادق وراء الحقيقية.

ولكن لماذا تدعى جائزة في "علوم الاقتصاد" وليس في "الاقتصاد" فحسب؟ فالجوائز الأخرى لا تُمنَح في "علوم الكيمياء" أو في "علوم الفيزياء".

إن مجالات الاجتهاد التي تستخدم وصف "علم" في عناوينها هي تلك التي تجتذب اهتمام جماهير الناس وتورطهم عاطفياً والتي يبدو أن المخابيل يجدون فيها وسيلة لتحريك الرأي العام. ويأتي وصف "العلم" كمسمى لهذه المجالات لتمييزها عن بنات عمومتها السيئة السمعة.

فقد أصبح مصطلح "العلوم السياسية" شعبياً لأول مرة في أواخر القرن الثامن عشر لتمييزه عن الدعايات الحزبية التي كان الهدف منها كسب الأصوات والتأثير على الناس بدلاً من السعي إلى الحقيقة. وأصبح مصطلح "علم الفلك" شائعاً في أواخر القرن التاسع عشر، لتمييزه عن التنجيم ودراسة الأساطير القديمة عن الأبراج. كما استخدم مصطلح "علم التنويم المغناطيسي" في القرن التاسع عشر لتمييز الدراسة العلمية للتنويم المغناطيسي عن السحر والفلسفة الدينية المتعالية.

كان الاحتياج إلى مثل هذه المصطلحات واضحا، لأن نظائرها القائمة على الدجل كانت أعظم تأثيراً في الخطاب العام. وكان لزاماً على العلماء أن يعلنوا أنفسهم علماء.

والواقع أن حتى مصطلح "علم الكيمياء" كان يتمتع ببعض الشعبية في القرن التاسع عشر ــ عندما سعى ذلك المجال إلى تمييز نفسه عن الخيمياء والترويج لعقاقير المشعوذين والدجالين. ولكن الحاجة إلى استخدام ذلك المصطلح لتمييز العلم الحقيقي عن ممارسات الدجالين بدأت تتضاءل بالفعل عندما أطلقت جوائز نوبل في عام 1901.

وعلى نحو مماثل، انتهى استخدام مصطلحات مثل علم الفلك وعلم التنويم المغناطيسي تقريباً بمرور سنوات القرن العشرين، ربما بسبب الاعتقاد في السحر والتنجيم تضاءل في المجتمعات المحترمة. صحيح أن الأبراج لا تزال لها مكان في الصحف الشعبية، ولكنها لا تجتذب سوى أقل الناس علما، أو ربما تشكل وسيلة للترفيه؛ والواقع أن فكرة أن النجوم تحدد مصائرنا فقدت أي سند فكري. ومن هنا فلم تعد الحاجة قائمة لاستخدام مصطلح "علم الفلك".

يشير منتقدو "علوم الاقتصاد" أحياناً إلى تطور "علم كاذب" في الاقتصاد، ويزعمون أنه يستخدم زخارف العلم، مثل الحسابات الرياضية المكثفة، ولكن لمجرد الاستعراض. على سبيل المثال، في كتابه الصادر في عام 2004 بعنوان "خَدَعتنا العشوائية"، يقول نسيم نيكولاس طالب عن علوم الاقتصاد: "يمكنك أن تخفي الشعوذة تحت ثِقَل المعادلات، ولن يتمكن أحد من الإمساك بك ما دام لا يوجد ما قد نطلق عليه وصف التجربة المضبوطة".

ولكن الفيزياء أيضاً لم تنج من مثل هذه الانتقادات. ففي كتابه الصادر في عام 2004 بعنوان "متاعب مع الفيزياء: صعود نظرية الخيوط، وسقوط علم، وما قد يترتب على ذلك"، يوبخ لي سمولين مهنة الفيزياء لأنها استسلمت لإغواء نظريات جميلة وأنيقة (وأبرزها نظرية الخيوط) بدلاً من النظريات التي يمكن اختبارها بالتجربة. وعلى نحو مماثل، في كتابه الصادر عام 2007 بعنوان "ليس من قبيل الخطأ حتى: فشل نظرية الخيوط والبحث عن الوحدة في القانون الفيزيائي"، اتهم بيتر فويت علماء الفيزياء بارتكاب نفس الخطيئة التي يُقال إن خبراء الاقتصاد الحسابي ارتكبوها.

وفي اعتقادي أن الاقتصاد إلى حد ما أكثر عُرضة من علوم الفيزياء لنماذج لا يمكن التحقق من صلاحيتها أبدا، لأن ضرورة التقريب أقوى كثيراً في الاقتصاد مقارنة بعلوم الفيزياء، وخاصة في ضوء حقيقة مفادها أن النماذج تصف بشراً وليس الرنين المغناطيسي أو الجسيمات الأساسية. فالبشر من الممكن أن يغيروا رأيهم ويتصرفوا بشكل مختلف تماماً في لحظة واحدة. وقد يصاب البشر حتى بالعُصاب أو يعاني من مشاكل الهوية، وهي الظواهر المعقدة التي يرى علم الاقتصاد السلوكي أنها بالغة الأهمية لفهم النتائج الاقتصادية.

ولكن كل الرياضيات في الاقتصاد ليست شعوذة كما يزعم طالب. فالاقتصاد يتسم بجانب كمي مهم، ولا يمكن التهرب منه. وكان التحدي متمثلاً في الجمع بين رؤى الاقتصاد الحسابية وبين ذلك النوع من التعديلات المطلوبة لجعل نماذج الاقتصاد متناسبة مع العنصر البشري الذي لا يمكن اختزاله في الاقتصاد.

إن تقدم الاقتصاد السلوكي لا يستلزم الدخول في صراع جوهري مع الاقتصاد الحسابي، كما يتصور البعض. غير أنه قد يتضارب مع بعض نماذج الاقتصاد الحسابي الشائعة حاليا. وبرغم أن الاقتصاد يفرض مشاكل منهجية خاصة به، فإن التحديات الأساسية التي تواجه الباحثين لا تختلف جوهرياً عن تلك التي تواجه الباحثين في مجالات أخرى. ومع تطور الاقتصاد فسوف يوسع ذخيرته من الوسائل ومصادر الأدلة، وسوف يصبح العلم أقوى، ويفتضح أمر المشعوذين.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/caAUdej/ar;
  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now