1

العالم الثالث ومشكلة الشرب

سنغافورة ــ في إطار اجتماعه الأخير في دافوس، أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي تقرير المخاطر العالمية السنوي التاسع، الذي يعتمد على دراسة مسح لأكثر من سبعمائة من كبار رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين والجهات الفاعلة غير الساعية إلى تحقيق الربح لتحديد المخاطر الأكثر تهديداً للعالم في العقد المقبل. ولعل الأمر الأكثر بروزاً هو أن أربعة من التهديدات العشرة في قائمة هذا العام ترتبط بالمياه.

وتشمل هذه المخاطر أزمات المياه الناجمة عن الجفاف والفيضانات، وتدهور نوعية المياه، وسوء إدارة المياه؛ والفشل في تخفيف تأثيرات تغير المناخ والتكيف معها؛ وارتفاع وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة؛ وأزمات الغذاء الناجمة ولو جزئياً عن نقص المياه. ولكن التقرير يفشل في تسليط الضوء على التخوف الأكثر إلحاحاً فيما يرتبط بالمياه: ضمان توفير القدر الكافي من مياه الشرب. وعلاوة على ذلك، ففي حين تدرك المنظمات الدولية وجود المشكلة، فإن النهج الذي تتبناه في التصدي لها خاطئ تماما.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في عام 2012، أعلنت الأمم المتحدة أن أحد الأهداف الإنمائية للألفية والمتمثل في خفض عدد سكان العالم الذين لا يملكون القدرة الدائمة على الحصول على مياه الشرب الآمنة إلى النصف قد تحقق قبل الموعد المحدد له بفترة طويلة، حيث لا يزال 783 مليون إنسان فقط يفتقرون إلى القدرة على الوصول إلى المياه النظيفة. ولكن وفقاً لتقديرات مركز العالم الثالث لإدارة المياه فإن ثلاثة مليارات من البشر على الأقل في مختلف أنحاء العالم لا تزال نوعية مياه الشرب المتاحة لهم مشكوك فيها. وترفع مؤسسة أكوا فيد، التي تمثل شركات المياه الخاصة، هذا الرقم إلى 3.4 مليار ــ أو ما يقرب من نصف سكان العالم. ويشير هذا إلى أن إعلان الأمم المتحدة النصر كان سابقاً لأوانه، على أقل تقدير.

والأدلة كثيرة. ففي عام 2011 اعتُبِرَت مياه أكثر من نصف أكبر البحيرات والأنهار في الصين غير صالحة للاستهلاك البشري. وفي العام الماضي، اعترفت وزارة حماية البيئة في الصين بأن التلوث الكيميائي السام والخطير تسبب في العديد من الكوارث البيئية، فقطع الإمدادات من مياه الشرب بل وأدى حتى إلى مشاكل صحية واجتماعية، مثل "قرى السرطان".

والحال في الهند ليست أفضل كثيرا، حيث أكَّد تقرير المجلس المركزي لمكافحة التلوث في العام الماضي أن ما يقرب من نصف أنهار البلاد البالغ عددها 445 نهراً ملوثة من حيث استهلاك المواد البيوكيميائية من الأكسجين (وهو مؤشر على نوعية المياه من الناحية العضوية) والبكتيريا القولونية إلى الحد الذي يجعل استهلاكها غير آمن. وإذا أضيفت أشكال التلوث الأخرى ــ مثل النترات والفلوريدات ومبيدات الحشرات والمعادن الثقيلة ــ فإن الرقم يصبح أعلى كثيرا.

وعلى نحو مماثل، أُبلِغ مجلس النواب الباكستاني في العام الماضي بأن 72% من العينات التي تم جمعها من شبكات المياه في البلاد كانت غير صالحة للاستهلاك الآدمي، وأن 77% من المياه الجوفية في المناطق الحضرية و86% في المناطق الريفية تعتبر خطرة. وفي نيبال، خلصت إدارة المياه والصرف الصحي إلى أن 85% من شبكات إمداد المياه التقليدية ملوثة إلى حد خطير بالبكتريا والحديد والمنجنيز والأمونيا. وفي المكسيك، تبين أن 90% من مرافق المياه في البلاد والبالغ عددها نحو 25 ألفاً كانت تعمل في حالة الإفلاس في عام 2013.

والمشكلة في النهج الذي تتبناه المنظمات الدولية هي أنها تخلط بين الفكرة الغامضة المتمثلة في "مصادر المياه المحسنة" وبين المياه النظيفة والصالحة للشرب بأمان حقا. وعلى نفس النحو، أضعف هذا النهج هدف "الصرف الصحي الـمُحَسَّن" ــ عملية تجميع ومعالجة وتوزيع مياه الصرف الصحي بشك آمن ــ من خلال تطبيقه على المراحيض داخل مساكن الناس.

وهذا من شأنه أن يحجب التضارب الكبير بين الصرف الصحي والإدارة الملائمة لمياه الصرف الصحي. فبرغم أن ما يقرب من 90% من الأسر في منطقة دلهي الهندية يُقال إنها تتمتع بمرافق صرف صحي ملائمة، لأنها لديها مراحيض داخل المساكن، فإن كل مياه الصرف الصحي غير المعالجة تقريباً تُصرَف إلى نهر يامونا ــ وهو أحد مصادر الشرب للمدن الواقعة على مصب النهر. وعلى نحو مماثل، تعتبر مدينة مكسيكو سيتي من المدن التي تتمتع بمستوى عال من خدمات الصرف الصحي، برغم أنها تنقل مياه الصرف الصحي غير المعالجة، والمحملة بمسببات الأمراض والمواد الكيميائية السامة، إلى وادي ميزكوايتال، حيث تستخدم لري المحاصيل.

ووفقاً لتقديرات مركز العالم الثالث لإدارة المياه فإن نحو 10% إلى 12% فقط من إنتاج مياه الصرف المنزلي والصناعي في أميركا اللاتينية تُدار على النحو السليم. ولعل الأحوال مماثلة في البلدان النامية في آسيا، ومن المرجح أن تكون أسوأ في أفريقيا.

وفي عام 2011، أشارت دراسة أجراها المجلس المركزي لمكافحة التلوث في الهند إلى أن 160 فقط من 8000 بلدة اجتمع لديها شبكة صرف صحي ومحطة لمعالجة الصرف الصحي في نفس الوقت. وعلاوة على ذلك فإن أغلب محطات الصرف الصحي المملوكة للحكومة معطلة أو مغلقة أغلب الوقت، نظراً لسوء الإدارة ورداءة الصيانة والتصميم الخاطئ والافتقار إلى التيار الكهربائي المنتظم، فضلاً عن تغيب الموظفين أو نقص تدريبهم أو عدم اكتراثهم.

وعلى نحو مماثل، ذكر تقرير لوزارة الإسكان والتنمية الحضرية والريفية في الصين في عام 2012 أنه برغم حصول 640 من 647 مدينة ونحو 73% من المقاطعات على مرافق لمعالجة الصرف الصحي، فإن 377 محطة بنيت على مدار عام واحد لم تستوف المتطلبات والشروط الوطنية، وأن كفاءة التشغيل كانت في المتوسط أقل من 60%. كما وجدت الوزارة أيضاً أن 12% فقط من المحطات تلبي معايير التصنيف (1أ).

وهذا لا يعكس ندرة المعرفة أو التكنولوجيا أو الخبرة. ولا نستطيع أن نلقي بالمسؤولية عن ذلك على نقص الاستثمارات. فقد أنفقت الصين 112.4 مليار دولار أميركي على البنية الأساسية للمياه في الفترة 2006-2011، كما خصصت الهند كميات هائلة من الأموال العامة لتنظيف نهر يامونا. ورغم هذا فإن إمدادات المياه في البلدين تظل ملوثة إلى حد كبير.

إن التحديات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي على مستوى العالم ليست مستعصية بأي حال من الأحوال. وسوف يتطلب حلها توفر الإرادة السياسية المستمرة، مع بناء الحكومات لمؤسسات قوية لإدارة المياه وضمان استخدام الأموال العامة بأقصى قدر من الفعالية. ومن ناحية أخرى، لابد أن يدرك عامة الناس أنهم قادرون على الحصول على خدمات مياه أفضل، إذا كانوا على استعداد للمساهمة من خلال الضرائب والرسوم الجمركية والتحويلات.

ومن جانبها، يتعين على وسائل الإعلام أن تؤكد على فوائد أنظمة تسليم المياه وإدارة الصرف الصحي ــ وأن تحمل الساسة والبيروقراطيين المسؤولية في حال فشلهم في القيام بواجبهم. وأخيرا، يتعين على المهنيين المحترفين أن يحولوا تركيزهم من توفير المزيد من المياه إلى توفير مياه أفضل بشكل أكثر استدامة.

Fake news or real views Learn More

ولأن الفشل في التصدي للتحديات المرتبطة بالمياه من شأنه أن يجلب في غضون جيل واحد أزمة عالمية ذات أبعاد غير مسبوقة فإن مثل هذه الجهود تشكل أهمية قصوى.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel