homeless man nyc Debbie Egan-Chin/ZumaPress

هل الرأسمالية سبب الفقر؟

كمبريدج ــ يبدو أن الرأسمالية أصبحت في أيامنا هذه هدفاً لتوجيه اللوم عن أمور كثيرة: الفقر، والتفاوت بين الناس، والبطالة، بل وحتى الانحباس الحراري العالمي. وكما قال البابا فرانسيس في خطاب حديث ألقاه في بوليفيا: "إن هذا النظام أصبح الآن لا يُطاق؛ فعمال المزارع يجدونه غير محتمل، وعمال المصانع يجدونه غير محتمل، والمجتمعات تجده غير محتمل، والشعوب تجده غير محتمل. والأرض ذاتها ــ شقيقتنا الأم الأرض، كما قد يسميها القديس فرانسيس ــ تجده أيضاً غير محتمل".

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ولكن هل المشاكل التي تزعج فرانسيس كانت نتيجة لما أسماه "الرأسمالية الجامحة"؟ أم أنها ناجمة عن فشل الرأسمالية المذهل في القيام بما كان متوقعاً منها؟ وهل ينبغي لأي أجندة تسعى إلى تعزيز العدالة الاجتماعية أن تقوم على كبح جماح الرأسمالية أو على إزالة الحواجز التي تحول دون توسعها؟

الإجابة في أميركا اللاتينية، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا هي الأخيرة بكل تأكيد. ولكي نرى هذا فمن المفيد أن نتذكر كيف تخيل كارل ماركس المستقبل.

في نظر ماركس، كان الدور التاريخي للرأسمالية هو إعادة تنظيم الإنتاج. فسوف تختفي المزارع العائلية، وساحات الحرفيين، و"الأمم التي تتألف من أصحاب المتاجر"، كما يُقال إن نابليون بازدراء إلى بريطانيا. وكل هذه الأنشطة البرجوازية التافهة سوف تُسحَق بواسطة كيانات تعادل زارا، وتويوتا، واير باص، ووال مارت اليوم.

ونتيجة لهذا فإن وسائل الإنتاج لن تظل مملوكة لأولئك الذين يقومون بالعمل، كما هي الحال في المزارع العائلية أو الورش الحرية، بل ستؤول ملكيتها إلى "رأس المال". ولن يملك العمال سوى عملهم، الذي سوف يضطرون إلى مقايضته في مقابل أجور بائسة. ولكنهم رغم هذا سوف يكونون أكثر حظاً من "الجيش الاحتياطي من العاطلين عن العمل" ــ مجمع من العمالة العاطلة كبير بالقدر الكافي لجعل الآخرين يخشون خسارة وظائفهم، ولكنه أصغر من أن يتسبب في إهدار القيمة الفائضة التي يمكن استخراجها بجعلهم يعملون.

ومع تحول كل الطبقات الاجتماعية السابقة إلى طبقة عاملة، وتركز كل وسائل الإنتاج في أيدي مجموعة متزايدة التضاؤل من أصحاب "رأس المال"، تندلع ثورة بروليتارية تقود البشرية إلى عالم من العدالة التامة: "من كل شخص وفقاً لقدرته، إلى كل شخص وفقاً لاحتياجاته"، على حد تعبير ماركس في مقولته الشهيرة.

من الواضح أن الشاعر والفيلسوف بول فاليري كان محقا: "فالمستقبل، مثله كمثل أي شيء آخر، لم يعد كما كان من قبل". ولكن لا ينبغي لنا أن نسخر من خطأ تنبؤ ماركس الشهير. فقد علق الفيزيائي نيلز بور بتهكم: "التنبؤ أمر صعب، وخاصة حول المستقبل".

الآن بتنا نعلم أنه بينما كان الحبر الذي دوِّن به البيان الشيوعي لم يجف تماماً بعد، بدأت الأجور في أوروبا والولايات المتحدة رحلة ارتفاع طويلة دامت مائة وستين عاما، الأمر الذي جعل العمال جزءاً من الطبقة المتوسطة، فأصبح لديهم السيارات، والرهون العقارية، ومعاشات التقاعد، والهموم البرجوازية التافهة. واليوم يَعِد الساسة بخلق فرص العمل ــ أو المزيد من الفرص التي يمكن استغلالها بالاستعانة برأس المال ــ وليس الاستيلاء على وسائل الإنتاج.

لقد تمكنت الرأسمالية من تحقيق هذا التحول لأن إعادة تنظيم الإنتاج سمحت بزيادة غير مسبوقة في الإنتاجية. كما سمح تقسيم العمل داخل وعبر الشركات، والذي تصوره آدم سميث بالفعل في عام 1776 كمحرك للنمو، بتقسيم المعرفة بين الأفراد على النحو الذي سمح بزيادة معارف الكل عن معارف الأجزاء وتشكيل شبكات متزايدة الحجم من التبادل والتعاون.

إن أي شركة حديثة لديها خبراء في الإنتاج، والتصميم، والتسويق، والمبيعات، والتمويل، والمحاسبة، وإدارة الموارد البشرية، والدعم اللوجيستي، والضرائب، والعقود، وما إلى ذلك. فالإنتاج الحديث ليس مجرد تراكم للمباني والمعدات التي يملكها "رأس المال" وتُدار ميكانيكاً بواسطة عمال يمكن استبدالهم. بل الإنتاج عبارة عن شبكة منسقة من البشر تعالج أنماطاً مختلفة من رأس المال البشري. لقد عملت الرأسمالية في العالم المتقدم على تحويل الجميع تقريباً إلى عمال مأجورين، ولكنها نجحت أيضاً في انتشالهم من براثن الفقر وجعلتهم أكثر ازدهاراً مما كان ماركس ليتخيل.

لم يكن هذا هو الشيء الوحيد الذي أخطأ ماركس في تصوره له. فالأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن عميلة إعادة التنظيم الرأسمالي للإنتاج تلاشت في العالم النامي، تاركة الغالبية العظمى من قوة العمل خارج سيطرتها. والأرقام مذهلة. ففي حين يعمل شخص واحد فقط من كل تسعة في الولايات المتحدة لحسابه الخاص، ترتفع النسبة في الهند إلى 19 من كل 20. وأقل من 20% من العمال في بيرو يعملون لدى ذلك النوع من الشركات الخاصة التي تصورها ماركس. وفي المكسيك يعمل واحد من كل ثلاثة في ذلك النوع من الشركات.

وحتى داخل كل بلد، أصبحت مقاييس الرفاهة ترتبط بقوة بالنسبة من قوة العمل الموظفة في الإنتاج الرأسمالي. ففي ولاية نويفو ليون في المكسيك، يعمل نحو ثلثي العمال لدى شركات مدمجة خاصة، في حين تنخفض النسبة في ولاية تشياباس إلى واحد فقط من كل سبعة. وليس من المستغرب إذن أن يكون نصيب الفرد في الدخل في نويفو ليون أعلى من تسعة أمثال نظيره في تشياباس. وفي كولومبيا، يعادل نصيب الفرد في الدخل في بوجوتا أربعة أمثال نظيره في ميكاو. وليس من المدهش أن تكون حصة التوظيف الرأسمالي أعلى بست مرات في بوجوتا.

في بوليفيا التي تعاني من الفقر، انتقد فرانسيس "عقلية تحقيق الربح بأي ثمن، مع عدم الاهتمام بالإقصاء الاجتماعي أو تدمير الطبيعة"، جنبا إلى جنب مع "الثقة الفظة والساذجة في صلاح أولئك الذين يتحكمون في القوة الاقتصادية وأساليب العمل المقدسة في النظام الاقتصادي الغالب.

ولكن هذا التفسير لفشل الرأسمالي بعيد تماماً عن الصواب. ذلك أن الشركات الأكثر ربحية في العالم لا تستغل بوليفيا. بل إنها ببساطة لا وجود لها هناك، لأنها لا تعتبر المكان مربحا. إن مشكلة العالم النامي الجوهرية هي أن الرأسمالية لم تعمل على إعادة تنظيم الإنتاج والعمالة في أكثر البلدان والمناطق فقرا، الأمر الذي يجعل القسم الأكبر من قوة العمل خارج نطاق عملها.

وكما أظهر رافائيل دي تيلا وروبرت ماكولوتش، فإن أكثر بلدان العالم فقراً لا تتسم بالثقة الساذجة في الرأسمالية، بل بعدم الثقة المطلقة، الأمر الذي يؤدي إلى التدخل الحكومي الغليظ وتنظيم الشركات. وفي ظل مثل هذه الظروف، لا تزدهر الرأسمالية وتظل الاقتصادات فقيرة.

الواقع أن فرانسيس محق في تركيز الانتباه على المحنة التي يعيشها أفقر فقراء العالم. ولكن بؤسهم ليس نتيجة للرأسمالية الجامحة، بل الرأسمالية الملجمة المقيدة بطريقة خاطئة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/iiUiXZw/ar;
  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now