104

هل الرأسمالية سبب الفقر؟

كمبريدج ــ يبدو أن الرأسمالية أصبحت في أيامنا هذه هدفاً لتوجيه اللوم عن أمور كثيرة: الفقر، والتفاوت بين الناس، والبطالة، بل وحتى الانحباس الحراري العالمي. وكما قال البابا فرانسيس في خطاب حديث ألقاه في بوليفيا: "إن هذا النظام أصبح الآن لا يُطاق؛ فعمال المزارع يجدونه غير محتمل، وعمال المصانع يجدونه غير محتمل، والمجتمعات تجده غير محتمل، والشعوب تجده غير محتمل. والأرض ذاتها ــ شقيقتنا الأم الأرض، كما قد يسميها القديس فرانسيس ــ تجده أيضاً غير محتمل".

ولكن هل المشاكل التي تزعج فرانسيس كانت نتيجة لما أسماه "الرأسمالية الجامحة"؟ أم أنها ناجمة عن فشل الرأسمالية المذهل في القيام بما كان متوقعاً منها؟ وهل ينبغي لأي أجندة تسعى إلى تعزيز العدالة الاجتماعية أن تقوم على كبح جماح الرأسمالية أو على إزالة الحواجز التي تحول دون توسعها؟

الإجابة في أميركا اللاتينية، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا هي الأخيرة بكل تأكيد. ولكي نرى هذا فمن المفيد أن نتذكر كيف تخيل كارل ماركس المستقبل.

في نظر ماركس، كان الدور التاريخي للرأسمالية هو إعادة تنظيم الإنتاج. فسوف تختفي المزارع العائلية، وساحات الحرفيين، و"الأمم التي تتألف من أصحاب المتاجر"، كما يُقال إن نابليون بازدراء إلى بريطانيا. وكل هذه الأنشطة البرجوازية التافهة سوف تُسحَق بواسطة كيانات تعادل زارا، وتويوتا، واير باص، ووال مارت اليوم.

ونتيجة لهذا فإن وسائل الإنتاج لن تظل مملوكة لأولئك الذين يقومون بالعمل، كما هي الحال في المزارع العائلية أو الورش الحرية، بل ستؤول ملكيتها إلى "رأس المال". ولن يملك العمال سوى عملهم، الذي سوف يضطرون إلى مقايضته في مقابل أجور بائسة. ولكنهم رغم هذا سوف يكونون أكثر حظاً من "الجيش الاحتياطي من العاطلين عن العمل" ــ مجمع من العمالة العاطلة كبير بالقدر الكافي لجعل الآخرين يخشون خسارة وظائفهم، ولكنه أصغر من أن يتسبب في إهدار القيمة الفائضة التي يمكن استخراجها بجعلهم يعملون.

ومع تحول كل الطبقات الاجتماعية السابقة إلى طبقة عاملة، وتركز كل وسائل الإنتاج في أيدي مجموعة متزايدة التضاؤل من أصحاب "رأس المال"، تندلع ثورة بروليتارية تقود البشرية إلى عالم من العدالة التامة: "من كل شخص وفقاً لقدرته، إلى كل شخص وفقاً لاحتياجاته"، على حد تعبير ماركس في مقولته الشهيرة.

من الواضح أن الشاعر والفيلسوف بول فاليري كان محقا: "فالمستقبل، مثله كمثل أي شيء آخر، لم يعد كما كان من قبل". ولكن لا ينبغي لنا أن نسخر من خطأ تنبؤ ماركس الشهير. فقد علق الفيزيائي نيلز بور بتهكم: "التنبؤ أمر صعب، وخاصة حول المستقبل".

الآن بتنا نعلم أنه بينما كان الحبر الذي دوِّن به البيان الشيوعي لم يجف تماماً بعد، بدأت الأجور في أوروبا والولايات المتحدة رحلة ارتفاع طويلة دامت مائة وستين عاما، الأمر الذي جعل العمال جزءاً من الطبقة المتوسطة، فأصبح لديهم السيارات، والرهون العقارية، ومعاشات التقاعد، والهموم البرجوازية التافهة. واليوم يَعِد الساسة بخلق فرص العمل ــ أو المزيد من الفرص التي يمكن استغلالها بالاستعانة برأس المال ــ وليس الا��تيلاء على وسائل الإنتاج.

لقد تمكنت الرأسمالية من تحقيق هذا التحول لأن إعادة تنظيم الإنتاج سمحت بزيادة غير مسبوقة في الإنتاجية. كما سمح تقسيم العمل داخل وعبر الشركات، والذي تصوره آدم سميث بالفعل في عام 1776 كمحرك للنمو، بتقسيم المعرفة بين الأفراد على النحو الذي سمح بزيادة معارف الكل عن معارف الأجزاء وتشكيل شبكات متزايدة الحجم من التبادل والتعاون.

إن أي شركة حديثة لديها خبراء في الإنتاج، والتصميم، والتسويق، والمبيعات، والتمويل، والمحاسبة، وإدارة الموارد البشرية، والدعم اللوجيستي، والضرائب، والعقود، وما إلى ذلك. فالإنتاج الحديث ليس مجرد تراكم للمباني والمعدات التي يملكها "رأس المال" وتُدار ميكانيكاً بواسطة عمال يمكن استبدالهم. بل الإنتاج عبارة عن شبكة منسقة من البشر تعالج أنماطاً مختلفة من رأس المال البشري. لقد عملت الرأسمالية في العالم المتقدم على تحويل الجميع تقريباً إلى عمال مأجورين، ولكنها نجحت أيضاً في انتشالهم من براثن الفقر وجعلتهم أكثر ازدهاراً مما كان ماركس ليتخيل.

لم يكن هذا هو الشيء الوحيد الذي أخطأ ماركس في تصوره له. فالأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن عميلة إعادة التنظيم الرأسمالي للإنتاج تلاشت في العالم النامي، تاركة الغالبية العظمى من قوة العمل خارج سيطرتها. والأرقام مذهلة. ففي حين يعمل شخص واحد فقط من كل تسعة في الولايات المتحدة لحسابه الخاص، ترتفع النسبة في الهند إلى 19 من كل 20. وأقل من 20% من العمال في بيرو يعملون لدى ذلك النوع من الشركات الخاصة التي تصورها ماركس. وفي المكسيك يعمل واحد من كل ثلاثة في ذلك النوع من الشركات.

وحتى داخل كل بلد، أصبحت مقاييس الرفاهة ترتبط بقوة بالنسبة من قوة العمل الموظفة في الإنتاج الرأسمالي. ففي ولاية نويفو ليون في المكسيك، يعمل نحو ثلثي العمال لدى شركات مدمجة خاصة، في حين تنخفض النسبة في ولاية تشياباس إلى واحد فقط من كل سبعة. وليس من المستغرب إذن أن يكون نصيب الفرد في الدخل في نويفو ليون أعلى من تسعة أمثال نظيره في تشياباس. وفي كولومبيا، يعادل نصيب الفرد في الدخل في بوجوتا أربعة أمثال نظيره في ميكاو. وليس من المدهش أن تكون حصة التوظيف الرأسمالي أعلى بست مرات في بوجوتا.

في بوليفيا التي تعاني من الفقر، انتقد فرانسيس "عقلية تحقيق الربح بأي ثمن، مع عدم الاهتمام بالإقصاء الاجتماعي أو تدمير الطبيعة"، جنبا إلى جنب مع "الثقة الفظة والساذجة في صلاح أولئك الذين يتحكمون في القوة الاقتصادية وأساليب العمل المقدسة في النظام الاقتصادي الغالب.

ولكن هذا التفسير لفشل الرأسمالي بعيد تماماً عن الصواب. ذلك أن الشركات الأكثر ربحية في العالم لا تستغل بوليفيا. بل إنها ببساطة لا وجود لها هناك، لأنها لا تعتبر المكان مربحا. إن مشكلة العالم النامي الجوهرية هي أن الرأسمالية لم تعمل على إعادة تنظيم الإنتاج والعمالة في أكثر البلدان والمناطق فقرا، الأمر الذي يجعل القسم الأكبر من قوة العمل خارج نطاق عملها.

وكما أظهر رافائيل دي تيلا وروبرت ماكولوتش، فإن أكثر بلدان العالم فقراً لا تتسم بالثقة الساذجة في الرأسمالية، بل بعدم الثقة المطلقة، الأمر الذي يؤدي إلى التدخل الحكومي الغليظ وتنظيم الشركات. وفي ظل مثل هذه الظروف، لا تزدهر الرأسمالية وتظل الاقتصادات فقيرة.

الواقع أن فرانسيس محق في تركيز الانتباه على المحنة التي يعيشها أفقر فقراء العالم. ولكن بؤسهم ليس نتيجة للرأسمالية الجامحة، بل الرأسمالية الملجمة المقيدة بطريقة خاطئة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali