28

عام العجز عن سداد الديون السيادية؟

ميامي ــ عندما يتعلق الأمر بالديون السيادية، كثيراً ما يساء فهم المصطلح "التخلف عن السداد". فهو يكاد لا ينطوي أبداً على التنصل الكامل والدائم من أصل الدين بالكامل؛ والواقع أن حتى بعض السندات الروسية في العهد القيصري سددت في نهاية المطاف (ولو جزئيا) بعد ثورة عام 1917. أما عدم السداد ــ "التخلف عن السداد" وفقاً لوكالات التصنيف الائتماني، عندما ينطوي الأمر على دائنين من القطاع الخاص ــ فإنه يستحث عادة الحديث حول إعادة هيكلة الديون، والتي قد تشمل تمديد تاريخ الاستحقاق، أو تخفيض قسائم السداد، أو فترات السماح، أو تخفيض القيمة الاسمية (ما يسمى "التقليم").

وإذا كان لنا أن نسترشد بالتاريخ، فإن مثل هذه المحادثات ربما تتكرر كثيراً في عام 2016.

فمثله كمثل الكثير من مظاهر الاقتصاد العالمي الأخرى، يميل تراكم الديون والتخلف عن السداد إلى الحدوث في دورات. فمنذ عام 1800، تحمل الاقتصاد العالمي العديد من مثل هذه الدورات، مع خضوع حصة البلدان المستقلة إلى إعادة الهيكلة خلال أي سنة بما يتراوح بين صِفر إلى 50% (انظر الشكل). وفي حين أن فترات الهدوء التي قد تدوم ل��شر سنوات أو عشرين سنة في حالات التخلف عن سداد الديون ليست قليلة، فإن كل فترة هدوء تبعتها على نحو ثابت لا يتغير موجة جديدة من التخلف عن السداد.

وتشمل إحدى دورات التخلف عن سداد الديون أزمات الديون في الأسواق الناشئة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وقد نجحت أغلب البلدان في حل مشاكل الديون الخارجية بحلول منتصف التسعينيات، بيد أن قسماً كبيراً من بلدان المجموعة الأقل دخلاً ظلت تواجه متأخرات مزمنة مع دائنين رسميين.

ومثلها كمثل التخلف الصريح عن السداد أو إعادة هيكلة الديون المستحقة لدائنين رسميين، فإن هذه المتأخرات كثيراً ما يطويها النسيان، ربما لأنها تشمل غالباً مدينين من ذوي الدخل المنخفض ومبالغ صغيرة نسبياً من الدولارات. ولكن هذا لا ينفي قدرتها في نهاية المطاف على المساعدة في حفز جولة جديدة من الأزمات، عندما تواجه الدول ذات السيادة، التي لم تتمكن قط من وضع يدها على الديون المستحقة لها، ظروفاً عالمية غير مواتية، على سبيل المثال.

والواقع أن الظروف الاقتصادية العالمية ــ مثل تقلبات أسعار السلع الأساسية والتغيرات في أسعار الفائدة لدى القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين ــ تلعب دوراً رئيسياً في التعجيل باندلاع أزمات الديون السيادية. وكما يكشف عملي البحثي الحديث مع فينسينت راينهارت وكريستوف تريبيك، فإن قمم وقيعان دورات تدفقات رأس المال الدولية تشكل خطورة بشكل خاص، مع انتشار حالات التخلف عن السداد مع نهاية طفرات تدفقات رأس المال.


ومع بدء عام 2016، تلوح في الأفق علامات واضحة تشير إلى عواصف خطيرة من الدين والتخلف عن السداد. وبوسعنا أن نرى بالفعل أولى الموجات المزبدة.

بالنسبة لبعض الدول ذات السيادة، تنبع المشكلة الرئيسية من ديناميكيات الدين الداخلي. ومن المؤكد أن موقف أوكرانيا محفوف بالمخاطر، وإن كان من الأفضل في ضوء محركاتها الفريدة ألا نستخلص من مسارها استنتاجات أوسع.

أما وضع اليونان فهو على النقيض من ذلك مألوف إلى حد كبير. فقد واصلت الحكومة تكديس الديون إلى أن لم يعد العبء قابلاً للاستمرار. وعندما أصبحت الأدلة على هذه التجاوزات دامغة، توقفت القروض الجديدة عن التدفق، الأمر الذي أصبح من المستحيل معه خدمة الديون الحالية. وفي يوليو/تموز الماضي، في ظل مفاوضات مشحونة مع الدائنين الرسميين ــ المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي ــ تخلفت اليونان عن الوفاء بالتزاماتها لصندوق النقد الدولي. وهذا يجعل اليونان أول دولة متقدمة اقتصاديا ــ والوحيدة حتى الآن ــ تتخلف عن سداد ديونها.

ولكن كما هي الحال غالبا، فإن ما حدث لم يكن تخلفاً كاملاً عن السداد بقدر ما كان خطوة نحو اتفاق جديد. فقد وافق شركاء اليونان الأوروبيون في نهاية المطاف على تقديم دعم مالي إضافي، في مقابل تعهد حكومة رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس بتنفيذ إصلاحات بنيوية صعبة وتخفيضات عميقة للميزانية. ولكن للأسف، يبدو أن هذه التدابير لم تحل أزمة الديون اليونانية بقدر ما أخرت الحل.

ومن بين الاقتصادات الأخرى التي تواجه خطراً شديداً كومنولث بورتوريكو، التي أصبحت في حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة شاملة لديونها السيادية التي بلغت 73 مليار دولار. وكانت الاتفاقات الأخيرة بشأن إعادة هيكلة بعض الديون مجرد البداية؛ والواقع أنها لا تكفي حتى لاستبعاد العجز الصريح عن سداد الديون.

ولكن تجدر الإشارة مع ذلك إلى أن مثل هذا "الحدث الائتماني" برغم كونه مشكلة كبيرة بوضوح فإن تأثيراته الخارجية المحتملة ربما تكون موضوع مبالغة من قِبَل الدائنين. فهم يريدون أن يحذروا من أن فشل بورتوريكو في سداد ديونها، برغم كونها كومنولث وليست دولة، من شأنه أن يشكل سابقة سيئة لولايات وبلدات الولايات المتحدة.

بيد أن هذه السابقة تأسست قبل فترة طويلة. ففي أربعينيات القرن التاسع عشر، توقفت تسع ولايات أميركية عن سداد أقساط الديون. وتمكنت بعضها من تسوية الأمير في نهاية المطاف بالقيمة الكاملة؛ ونجحت أخرى في التسوية مع بعض الخصم؛ وتنكرت عدة ولايات أخرى لقسم من الدين بالكامل. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر، اجتاحت جولة أخرى من التخلف عن سداد الديون إحدى عشرة ولاية. ودامت نوبة التخلف عن السداد وإعادة الهيكلة في ولاية غرب فرجينيا حتى عام 1919.

وتكمن بعض أكبر المخاطر في الاقتصادات الناشئة، التي تعاني في المقام الأول من تغير جذري في البيئة الاقتصادية. فأثناء طفرة البنية الأساسية في الصين، كانت الصين تستورد كميات ضخمة من السلع الأساسية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها، وبالتالي نمو صادرات السلع الأساسية على مستوى العالم، بما في ذلك اقتصادات ناشئة ضخمة مثل البرازيل. أضف إلى هذا، زيادة الإقراض من الصين وتدفقات رأس المال الضخمة التي كانت مدفوعة بأسعار الفائدة المنخفضة في الولايات المتحدة، وأدى كل هذا إلى ازدهار الاقتصادات الناشئة. صحيح أن الأزمة الاقتصادية العالمية في الفترة 2008-2009 عطلت هذا النمو السريع ولكنها لم توقف مسيرته، وتمتعت الاقتصادات الناشئة بعقد كامل خال من الأزمات على غير العادة حتى أوائل عام 2013.

ولكن القرار الذي اتخذه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بزيادة أسعار الفائدة، جنباً إلى جنب مع تباطؤ النمو (وبالتالي الاستثمار) في الصين وانهيار أسعار النفط والسلع الأساسية، كل هذا تسبب في توقف طفرة تدفق رأس المال. ومؤخرا، سجلت عملات العديد من الأسواق الناشئة هبوطاً حادا، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكلفة خدمة الديون الخارجية المقومة بالدولار. كما انحدرت عائدات التصدير والقطاع العام، فأفسح ذلك المجال لاتساع العجز المالي وعجز الحساب الجاري. وتباطأ النمو والاستثمار في مختلف المجالات تقريبا.

من منظور تاريخي، يبدو الأمر وكأن الاقتصادات الناشئة تتجه نحو أزمة كبرى. وبطبيعة الحال، ربما تثبت كونها أكثر مرونة وقدرة على الصمود من أسلافها. ولكن لا ينبغي لنا أن نعول على ذلك.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel