0

وقف الحرب على الأطفال

لندن ــ قبل عشرين عاما في مثل هذا الشهر، تلقت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقريرا من وزيرة التعليم الموزمبيقية السابقة جراسا ماشيل عَرَضَت فيه بالتفصيل الآثار التي يخلفها الصراع المسلح على الأطفال. بعد توثيق نمط من الهجمات المنهجية الموجهة، بما في ذلك القتل، والاغتصاب، والتجنيد القسري في الجماعات المسلحة، اختتمت ماشيل تقريرها قائلة: "هذه مساحة خالية من القيم الإنسانية الأساسية... ولا أظن أن الإنسانية قد تنزلق إلى أعماق أكثر انحطاطا".

كانت ماشيل مخطئة. فبعد جيل واحد تدنت الإنسانية إلى أعماق أشد انحطاطا من الفساد الأخلاقي. فالآن أصبح الأطفال الذين يعيشون في مناطق الصراع هدفا للعنف على نطاق لم يسبق له مثيل، في حين يُنتَهَك نظام الأمم المتحدة المحكَم لفقرات حقوق الإنسان المصممة لحماية الأطفال، في حين يُفلِت الجناة من العقاب ببساطة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في الذكرى السنوية العشرين لصدور تقرير ماشيل، يتعين على المجتمع الدولي أن يرسم خطا فاصلا وأن يوقف الحرب ضد الأطفال.

تتخذ هذه الحرب أشكالا عديدة. ففي بعض الحالات، يشكل الأطفال أهدافا على خط المواجهة. وقد أصبح الاغتصاب، والزواج القسري، والاستعباد، والاختطاف من التكتيكات النمطية التي تستخدمها جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وبوكو حرام في شمال نيجيريا، وأمثال هذه الجماعات في أفغانستان، وباكستان، والصومال. وأصبح قتل الأطفال بجريرة الذهاب إلى المدرسة يُنظَر إليه باعتباره استراتيجية عسكرية مشروعة.

في حالات أخرى، يتعرض الأطفال للهجوم من قوى حكومية وغير حكومية. ففي جنوب السودان، منذ اندلاع الصراع عام 2013، قتلت القوات التابعة للحكومة والمتمردين الأطفال واغتصبتهم وجندتهم في جماعات مسلحة. وكانت الهجمات بالغة الوحشية ومنهجية وواسعة الانتشار إلى الحد الذي يجعلها تبدو وكأن تنفيذها يجري في الأرجح بموجب أعلى مستويات التفويض السياسي. والواقع أن القوات التابعة لحكومة جنوب السودان كانت وفقا لتقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي نُشِر في وقت سابق من هذا الشهر، متورطة بشدة في مثل هذه الأنشطة، وهو ما قد يفسر لماذا لم يُحاسَب أحد حتى الآن عن قتل 130 طفلا في ولاية الوحدة في مايو/أيار 2015.

كما يُعَد الضحايا من الأطفال أضرارا جانبية، وهي حقيقة نابعة من التآكل الشديد للقوانين والقواعد المصممة لحماية المدنيين في مناطق الصراع. ففي سوريا، كان الأطفال الذين يعيشون في حلب وحمص وغيرها من المدن السورية عُرضة للقصف بالبراميل المتفجرة والتسمم بالغاز من قِبَل القوات الحكومية التي تعمل في تحد صريح للقانون الدولي. وأصبحت حُرمة المدارس والمراكز الصحية حبرا على ورق: ففي سوريا جرى تدمير أكثر من 25% من كل المدارس أو اضطرارها إلى إغلاق أبوابها.

ومن الواضح أن القادة السياسيين في المملكة العربية السعودية يرون أن اتفاقية جنيف، وهي الركيزة القانونية لحماية المدنيين، في غير محلها. ففي أغسطس/آب الماضي، أصابت غارة جوية سعودية على ضاحية في صنعاء في اليمن إحدى المدارس فقتلت عشرة أطفال. وكانت تلك الغارة مجرد واقعة ضمن اتجاه أكبر من الهجمات على المدارس والمراكز الصحية والأسواق. وعلى مدار العام الماضي، ضرب التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن أربعة مرافق صحية تدعمها المنظمة غير الحكومية أطباء بلا حدود.

الواقع أن مستويات العنف التي تُمارَس حاليا ضد الأطفال بعيدة كل البُعد عن تلك التي وصفتها ماشيل قبل عقدين من الزمن. فبناء على توصياتها، أنشأت الجمعية العامة في عام 1997 منصب الممثل الخاص لشؤون الأطفال في الصراعات المسلحة، لتحديد أطراف الصراعات المسؤولة عن الانتهاكات المستمرة والفاضحة، ورفع التقارير إلى الأمين العام ومجلس الأمن.

يراقب الممثل الخاص ستة أنواع من انتهاكات حقوق الأطفال: القتل والتشويه، والعنف الجنسي، والتجنيد العسكري، والهجمات على المدارس والمراكز الصحية، والاختطاف، والحرمان من الوصول إلى المساعدات الإنسانية. وكل من هذه الانتهاكات محظور بموجب القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف لعام 1949، التي تقضي بإلزام أطراف أي صراع بحماية المدنيين والحفاظ على القدرة على الوصول إلى المساعدات الإنسانية دون عوائق، واتفاقية حقوق الطفل، وهي معاهدة حقوق الإنسان التي حظيت بأكبر قدر من التصديق في العالم، والتي تقدم قائمة شاملة لحقوق الأطفال.

إن استمرار العنف ضد الأطفال ليس راجعا إلى عجز في الحقوق، بل يرجع إلى ما يصفه معهد إيفا سفوبودا للتنمية في الخارج باعتباره أزمة امتثال. وقد أظهر المجتمع الدولي العجز عن دعم وتعزيز القوانين والقواعد التي تحدد معايير التحضر. وبوسعنا أن نقول بلا تجميل للحقيقة إن قتل وتشويه وترويع الأطفال أصبح مشروعا بلا تكلفة.

تبدأ أزمة الامتثال عند قمة منظمة الأمم المتحدة ثم تتغلغل إلى أسفل، عبر مجلس الأمن، إلى الجمعية العامة والحكومات الأعضاء.

ولنتأمل هنا الحملة التي تشنها السعودية في اليمن. في وقت سابق من هذا العام، وُضِعَت المملكة العربية السعودية على "قائمة العار" لدى الأمين العام للأمم المتحدة بسبب قصفها لأهداف مدنية وقتل الأطفال. ولكن بحلول يونيو/حزيران، أزيلت من القائمة في أعقاب ضغوط مكثفة من قِبَل الحكومة السعودية وحلفائها الأميركيين والأوروبيين الذين يوردون إليها السلاح. وبصرف النظر عن نوايا هؤلاء الحلفاء، فإن الإشارة التي أرسلوها واضحة: حماية صفقات السلاح المربحة تسبق في الأهمية حماية حقوق الأطفال.

لقد أصبحت هذه السلسلة التي لا نهاية لها من التقارير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان عُرضة لخطر التحول إلى مسرحية إيمائية صامتة. فبرغم العمل الممتاز الذي قام به مكتب الممثل الخاص في فضح الهجمات على الأطفال ــ وفي بعض الحالات التفاوض على إطلاق سراح جنود من الأطفال ــ فإن العقوبات لا تتناسب مع الجرائم.

عندما يجتمع قادة العالم في نيويورك هذا الشهر لحضور الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة، يحين وقت إعادة التأكيد على القيم التي تستند إليها أحكام الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتتلخص الطريقة الوحيدة لإنهاء الإفلات من العقاب عن الجرائم الشنيعة ضد الأطفال في فرض المساءلة الحقيقية ــ وتقديم الجناة إلى العدالة.

كحد أدنى، ينبغي لمؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولي في لاهاي والمحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان أن تتعاون بشكل وثيق مع الممثل الخاص للأمم المتحدة. ولكن نظرا لحجم المشكلة، وثقافة الإفلات من العقاب المتأصلة، فقد تنشأ الحاجة إلى مبادرات أكثر جرأة. ونظرا لفشل المؤسسات القائمة، فربما حان الوقت لإنشاء مبادرة جديدة ــ محكمة جنائية دولية للأطفال، مفوضة بالتحقيق في جرائم الحرب ضد الأطفال ومحاكمة الجهات المسؤولة عنها سواء كانت من الدول أو والقوى غير التابعة لدول بعينها.

Fake news or real views Learn More

لقد سمحنا بشكل جماعي بتحول قوانين حقوق الإنسان إلى نمور من ورق لا قيمة لها. ولكن إذا كانت هناك أي قضية قادرة على حشد قوى عالَم منقسم فمن المؤكد أنها قضية حماية الأطفال في مناطق الحرب.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali