11

جهاد قطر

أبو ظبي ــ ربما تكون قطر دولة صغيرة، ولكن ممارساتها شديدة التأثير في مختلف أنحاء العالم العربي. فمن خلال دعم الجهاديين الوحشيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأماكن أخرى من العالم، ودعم الولايات المتحدة في الوقت ذاته في حربها ضد نفس الجهاديين، نجحت هذه البقعة الضئيلة الغنية بالغاز ــ الدولة الأكثر ثراءً في العالم باعتبار نصيب الفرد ــ في تحويل نفسها من ذبابة إقليمية مزعجة إلى فيل دولي مارق.

فباستخدام مواردها الهائلة، وبدافع من طموح جامح، برزت قَطَر كمركز للحركات الإسلامية المتطرفة. ويُعَد المسجد الجامع الضخم المزين بالثريات الفخمة في الدوحة ــ عاصمة قطر الثرية ــ نقطة تجميع للمقاتلين المتشددين المتوجهين إلى أماكن مختلفة ومتنوعة مثل اليمن وتونس وسوريا لشن حملاتهم الجهادية. ونتيجة لهذا فإن قطر الآن تنافس المملكة العربية السعودية ــ وهي دولة وهابية أخرى تمتلك ثروة هائلة من الموارد ــ في تصدير التطرف الإسلامي.

ولكن هناك اختلافات كبيرة بين قطر والمملكة العربية السعودية. فوهابية قطر أقل حدة من حالها في المملكة العربية السعودية؛ على سبيل المثال، يُسمَح للمرأة القطرية بقيادة السيارات والسفر وحدها. وفي قطر لا توجد شرطة دينية لفرض الأخلاق، حتى وإن كان رجال الدين القطريون يجمعون الأموال علناً لتمويل قضايا التشدد والقتال.

ولعل من غير المستغرب إذن أنه في حين تلاحق القيادة المتصلبة في المملكة العربية السعودية سياسات رجعية تضرب بجذورها في فهم متزمت للإسلام، يتبنى حكام قطر الأكثر شباباً نهجاً فكرياً تقدميا. فقطر هي موطن قناة الجزيرة الفضائية، والمدينة التعليمية، وهي منطقة خارج الدوحة تضم مدارس وجامعات ومراكز بحثية.

وتتجلى تناقضات مماثلة في السياسة الخارجية القطرية. والواقع أن علاقة البلاد بالولايات المتحدة تتناقض بشكل مباشر مع ارتباطاتها بالحركات الإسلامية الراديكالية المتطرفة.

تستضيف قطر قاعدة العديد الجوية ــ التي تضم 8000 فرد عسكري أميركي فضلاً عن 120 طائرة، بما في ذلك طائرات النقل العملاقة للتزود بالوقود في الجو ــ والتي توجه الولايات المتحدة منها ضرباتها الجوية في سوريا والعراق. ويخدم معسكر السيلية ــ منشأة أخرى لا تتقاضى قطر إيجاراً عنها ــ كمقر للقيادة المركزية الأميركية الأمامية. وفي يوليو/تموز وافقت قطر على شراء أسلحة أميركية بقيمة 11 مليار دولار.

وعلاوة على ذلك، استخدمت قطر نفوذها لدى الإسلاميين التي تمولهم للمساعدة في تأمين إطلاق سراح الرهائن الغربيين. كما استضافت محادثات سرية بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية التي تدعمها باكستان. ولتسهيل المفاوضات، وفرت قطر مسكنا، بدعم من الولايات المتحدة، لبعثة طالبان الدبلوماسية بحكم الأمر الواقع ــ وخمسة من زعماء حركة طالبان الأفغانية الذين أطلق سراحهم في وقت سابق من هذا العام من المعتقل الأميركي في خليج جوانتانامو.

بعبارة أخرى، تشكل قطر حليفاً مهماً للولايات المتحدة، ومورداً للأسلحة والأموال للإسلاميين، ووسيط سلام في نفس الوقت. أضف إلى هذا مركزها باعتبارها أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال وصاحبة واحد من أضخم صناديق الثروة السيادية، فيصبح من الواضح أن قطر تتمتع بحيز كبير للمناورة ــ فضلاً عن قدر كبير من النفوذ الدولي. وقد اكتشفت الحكومة الألمانية هذا عندما اضطرت إلى التراجع وسحب تصريح وزير التنمية الألماني الذي قال إن قطر لعبت دوراً مركزياً في تسليح وتمويل تنظيم الدولة الإسلامية.

الواقع أن نفوذ قطر المتنامي له انعكاسات بالغة الأهمية على ميزان القوى في العالم العربي، وخاصة في ما يتصل بتنافسها مع المملكة العربية السعودية. وتمثل هذه الديناميكية التنافسية، والتي لم تنشأ إلا في الآونة الأخيرة، تحولاً عن تاريخ طويل من العمل التعاوني في تصدير التطرف الإسلامي.

فكانت كل من قطر والمملكة العربية السعودية تزود المتطرفين السُنّة في سوريا بالسلاح بسخاء، الأمر الذي فتح الباب لظهور تنظيم الدولة الإسلامية. كما عملت كل من الدولتين على تعزيز قوة طالبان الأفغانية، وأسهمتا في تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة بمساعدة الميليشيات الإسلامية. وأثناء حملة حلف شمال الأطلسي في عام 2011 للإطاحة بالعقيد معمر القذافي، قامت قطر بنشر قوات برية سراً داخل ليبيا.

ولكن اليوم أصبحت قطر والمملكة العربية السعودية على طرفي نقيض. فتدعم قطر ومعها تركيا الحركات الإسلامية الشعبية مثل جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في غزة وليبيا ومصر وتونس والعراق وبلاد الشام. وهذا يضعها في مواجهة مباشرة ضد المملكة العربية السعودية وبلدان مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن، والتي ينظر حكامها إلى مثل هذه الحركات باعتبارها تهديداً وجوديا، مع حرص البعض، بما في ذلك بيت آل سعود، على الاستثمار في دعم الأنظمة الاستبدادية المماثلة لأنظمتهم.

وبهذا المعنى فإن المسار الذي تسلكه قطر تسبب في إحداث انقسام نادر داخل مجلس التعاون الخليجي، الذي تمتلك بلدانه الأعضاء مجتمعة ما يقرب من نصف احتياطي النفط العالمي. وتعمل هذه المنافسة بالوكالة بين الممالك المتخاصمة، والتي دفعت بعض البلدان الأعضاء إلى سحب سفرائها من قطر في شهر مارس/آذار، على زيادة حدة حالة عدم الاستقرار والعنف في مختلف أنحاء المنطقة. على سبيل المثال، قامت الإمارات العربية المتحدة بمساعدة مصرية بتنفيذ غارات جوية سراً في أغسطس/آب لمنع ميليشيات إسلامية تدعمها قطر من فرض سيطرتها على العاصمة الليبية طرابلس.

والواقع أن قادة قطر على استعداد لتحدي جيرانهم لسبب بسيط: فهم يعتقدون أن الحركات الإسلامية الشعبية التي يدعمونها ــ والتي تمثل في اعتقادهم التطلعات السياسية للأغلبية ــ سوف تفوز في نهاية المطاف. ومن منطلق توقعاتها بأن هذه الجماعات سوف تعمل بشكل متزايد على صياغة وتشكيل السياسة العربية، وإزاحة الأنظمة التي تقوم على زعماء سياسيين أقوياء، فإن قطر عازمة على تمكينها.

وبهذا تعمل قطر على زعزعة استقرار العديد من البلدان وتهديد أمن الديمقراطيات العلمانية خارج المنطقة. ومن أجل صيانة الأمن الإقليمي والدولي، فلابد من ترويض هذا الفيل.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali