2

يقين منقذ للحياة

جنيف ــ إن المحنة التي تعيشها أكثر من مائتي فتاة مختطفة في شمال نيجيريا لهي تذكرة وحشية بمدى ضعف الأطفال ــ وخاصة الفتيات ــ في مواجهة المخاطر في أفريقيا. ولكن لا يقل عن هذا أهمية أن ندرك أن مثل هذه الأحداث ليست انعكاساً حقيقياً لأفريقيا الحديثة، وأن زعماء أفريقيا ملتزمون بشدة بحماية الأطفال في بلدانهم. بيد أن قدرتهم على توفير نفس النوع من الحماية التي يتمتع بها الأطفال في البلدان الغنية يتطلب عنصرين رئيسيين: الشراكة واليقين.

فبرغم أن الإرهاب يشكل تهديداً غادرا، فإن الخطر الأكبر الذي يتعرض له أطفال أفريقيا هو الأمراض التي لا تتطلب وقايتهم منها غالباً سوى التطعيم الروتيني. وفي حين يناقش العالم أفضل السبل لاسترداد الفتيات المفقودات، هناك خطر آخر يعود إلى الظهور: فمؤخراً أعلنت منظمة الصحة العالمية أن انتشار مرض شلل الأطفال بات يشكل حالة طوارئ صحية عامة دولية، حيث تفرض عِدة بلدان أفريقية الآن خطراً مستمراً يتمثل في تصدير المرض.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

ولكن هناك من حسن الحظ طرقاً فورية وملموسة للتغلب على شلل الأطفال ومجموعة كبيرة من الأمراض الأخرى التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، والتي تحصد حالياً أرواح الأبرياء في أفريقيا وخارجها. ويدرك زعماء أفريقيا فضلاً عن ذلك أن أفضل وسيلة لتزويد الأطفال بالحماية المستدامة الطويلة الأمد تتلخص في توفير التحصين الروتيني. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعلن الزعماء الأفارقة الذين اجتمعوا في العاصمة النيجيرية أبوجا عن تأييدهم لإعلان تحصين أفريقيا 2020، وألزموا أنفسهم بالاستثمار في مستقبل صحي ومستدام لكل الأطفال في بلدانهم.

وتشكل مثل هذه الإعلانات أهمية كبرى، فمن خلال قوة يقيننا فقط يصبح بوسعنا جلب تغيير إيجابي حقيقي. والتغيير حادث بالفعل. فمنذ عام 2001، تم إطلاق ما لا يقل عن 140 لقاحاً جديداً في أفريقيا، وذلك بفضل جهود الزعامات المحلية والدعم الذي توفره منظمتي (التحالف العالمي من أجل اللقاحات) وشركاؤها في منظمة اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي ومؤسسة بل وميليندا جيتس. ونتيجة لهذا النوع من العمل اتسع نطاق تغطية التحصين في أفريقيا بشكل كبير، من 10% في عام 1980 إلى 72% في عام 2012.

والآن، تعتزم أكثر من خمسين دولة أفريقية تخصيص أكثر من 700 مليون دولار أميركي في الفترة 2016-2020 لتغطية تكاليف لقاحات الأطفال بشكل مباشر من خلال التحالف العالمي من أجل اللقاحات وشركائه. وهذا كفيل بجعل أفريقيا رابع أكبر مستثمر في التحالف بعد المملكة المتحدة ومؤسسة بل وميليندا جيتس والنرويج. ويشير هذا النوع من الالتزام إلى تحول في توجه مساعدات التنمية بعيداً عن النموذج التقليدي القائم على أعمال الخير ونحو نموذج جديد مبني على الشراكة.

ولكن برغم هذا، ولأن بلدان أفريقيا تنفق بالفعل مليارات الدولارات على الخدمات الصحية، ولأن القارة تواجه احتياجات أخرى كثيرة متنافسة، فإن الاستثمار في اللقاحات قد لا يبدو دوماً اختياراً واضحا.

كانت النرويج تعيش وضعاً مشابهاً في عام 2003، عندما كنت باعتباري وزيراً للصحة الشؤون الاجتماعية أتولى قيادة الجهود الرامية إلى حظر التدخين في الأماكن العامة. وفي ذلك الوقت، كانت المعارضة للحظر قوية وشبهني كثيرون بأسوأ الطغاة في العالم. بيد أنني كنت أعلم أن تلك الخطوة من شأنها أن تنقذ حياة كثيرين لسنوات عديدة مقبلة، وكنت على يقين من أن تقاعسي عن التحرك يعني أنني أهمل أداء عملي على النحو اللائق. ولم أكن في ذلك وحدي، فقد وافقني نظيري الأيرلندي.

وبعد أن أصبحت المكاسب التي تحققت للأفراد والمجتمع واضحة، حذت أكثر من 100 دولة أخرى حذو النرويج وأيرلندا، واليوم انخفض عدد المدخنين في النرويج إلى النصف، ويؤيد الحظر الآن تسعة من كل عشرة أشخاص. ومن خلال دراسة التجارب السابقة، فقد تبدو بعض الحلول واضحة؛ ولكن تنفيذها يتطلب قوية اليقين لجعل الحل واضحاً في المقام الأول.

وهكذا الحال مع التحصين في أفريقيا والبلدان الفقيرة في مختلف أنحاء العالم. وقد أدرك زعماء هذه البلدان بالفعل ما يمكن تحقيقه بالاستعانة باللقاحات، كما يرون المزيد من الفوائد المترتبة على التحصين في الأعوام المقبلة. والواقع أن التحالف العالمي من أجل اللقاحات قام بالفعل منذ إنشائه في عام 2000 بدعم تطعيم نحو 440 مليون شخص إضافي، وساعد في إنقاذ حياة ستة ملايين إنسان.

ولكن الآن، فيما يستعد شركاء التحالف للاجتماع في بروكسل هذا الأسبوع لرسم خرطية تمويل التحالف في الأعوام الخمسة المقبلة، هناك فرصة حقيقية لبذل المزيد من الجهد في هذا السياق. فمع الدعم الذي يوفره التحالف العالمي من أجل اللقاحات بات في متناولنا الفرصة لمضاعفة عدد الأطفال المحصنين بحلول عام 2020، لكي نقترب في المجموع من مليار طفل ونتجنب وفاة أكثر من خمسة ملايين إنسان من الآن وحتى ذلك الوقت.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لقد أظهر الزعماء الأفارقة عزيمتهم؛ ولكن في وقت حيث لا تزال بلدان مانحة عديدة تكافح من أجل تعزيز تعافيها الاقتصادي الهش، فإن الأمر سوف يتطلب الالتزام واليقين من جانب زعماء هذه البلدان أيضا. ولا يستطيع أي منا أن ينهض بهذه المسؤولية منفردا، ولكن من خلال الشراكات يصبح بوسعنا حقاً أن نساعد في حماية الأطفال الأكثر ضعفاً وعُرضة للخطر في العالم.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali