yhuang11_FABRICE COFFRINIAFP via Getty Images_wang yi ukraine FABRICE COFFRINIAFP via Getty Images

لحظة اتخاذ الصين لقرارها

كمبريدج- تعرض رد فعل الصين على حرب روسيا ضد أوكرانيا لرقابة شديدة وانتقاد لاذع. إذ رغم أن المسؤولين الصينيين أعربوا عن قلقهم بشأن الخسائر التي سُجلت في صفوف المدنيين، إلا أنهم رفضوا إدانة الهجوم، الذي يعتبرونه ردًا على توسع الناتو، وأعلنوا أنهم لن ينضموا إلى الغرب في فرض عقوبات مالية على روسيا. ومع ذلك، لم تقدم الصين الدعم الكامل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. والسؤال هو ما إذا كان هذا الموقف المحايد نسبيًا من جانب الصين يمكن أن يكون حاسمًا لمنع المزيد من التصعيد العسكري الخطير.

ويرى معظم السياسيون في الغرب أن رد فعل الصين على الهجوم العنيف الذي شنه بوتين غير كافٍ على الإطلاق. وكما قال مؤخرًا السكرتير الصحفي للبيت الأبيض جين بساكي: "هذا ليس وقت الوقوف على هامش الأحداث، بل هو الوقت المناسب لإدانة الغزو الذي شنه الرئيس بوتين على دولة ذات سيادة". ويرى السيناتور الأمريكي، ماركو روبيو، من فلوريدا، أن رفض الصين إدانة الغزو يعني أنه "لا بأس في ذبح الأبرياء في أوكرانيا".

والواقع أن الصين اتخذت موقفا أكثر دقة بكثير مما توحي به هذه التفسيرات. فبادئ ذي بدء، على الرغم من ادعاء الصين عدم موافقتها على العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، إلا أنها اتخذت إجراءات للامتثال لبعضها من خلال الحد من التمويل الصيني لبعض معاملاتها مع روسيا. ولم تمنع المؤسسات المالية الصينية من الامتثال للعقوبات الغربية. وفضلا عن ذلك، راجعت الصين موقفها مرارًا وتكرارًا بشأن أوكرانيا، وعززت تدريجياً رفضها لممارسات روسيا. وخلف الكواليس، ناقش القادة الصينيون سياسات تعديل علاقات بلادهم مع روسيا.

ويأمل المرء أن تكون الصين قد رفضت الوقوف صراحة مع الغرب ضد روسيا من أجل إعطاء نفسها بعض مجال المناورة. إذ بعد إجرائه لمكالمة هاتفية، أشار وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى أن نظيره الأوكراني، دميترو كوليبا، أعرب عن أمله في أن تساعد الصين في جهود التوسط لوقف إطلاق النار. وإذا كانت الصين ستضطلع بهذا الدور بصورة فعالة، يجب أن تحتفظ بمصداقيتها، بما في ذلك عن طريق تجنب الإدانة الصريحة لأفعال بوتين، ودعم العلاقات الاقتصادية، وإبقاء قنوات الاتصال مع بوتين مفتوحة.

وتماشياً مع هذا الدور، قد تتخذ الصين في الوقت المناسب موقفًا أكثر صرامة تجاه روسيا، من أجل إرسال رسالة إلى بوتين، لكن يجب أن تضبط إجراءاتها بناءً على تقييمها للمخاطر. ومع تراجع قيمة الروبل، واقتراب سوق الأسهم الروسية من الانهيار، وكون العملية العسكرية في أوكرانيا تواجه مقاومة شديدة، قد تحسب الصين أن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لتهويل الأمور.

وقد تبدو عزلة بوتين الكاملة أمرا جيدا بالنسبة للغرب. ولكن يجب أن يكون واضحًا أن محاصرة زعيم استبدادي قد يكون معتوها ويتمتع بإمكانية الوصول إلى ترسانة نووية ضخمة يخلق خطرًا وجوديًا على العالم بأسره. والواقع أن بوتين أعلن أنه وضع القوات النووية الروسية في "حالة تأهب قصوى".

WINTER SALE: Save 40% on all new Digital or Digital Plus subscriptions
PS_Sales_Winter_1333x1000

WINTER SALE: Save 40% on all new Digital or Digital Plus subscriptions

Subscribe now to gain greater access to Project Syndicate – including every commentary and our entire On Point suite of subscriber-exclusive content – starting at just $49.99.

Subscribe Now

وهذا ليس تصريحًا يجب الاستخفاف به، خاصة إذا كان بوتين حقًا غير سليم عقليا. إن مبدأ التدمير المتبادل المؤكد يكون رادعا فعالا فقط إذا كان من لديهم سلطة إطلاق أسلحة نووية يتصرفون بعقلانية. ويُظهر الهجوم الصاروخي على أكبر محطة نووية في أوروبا مدى تهور بوتين. وحتى دون أن يكون هناك إطلاق متعمد للقنابل النووية، فإن التهديد النووي يلوح في الأفق إلى حد كبير.

وما يزيد الطين بلة هو أنه في الوقت الراهن يتمتع بوتين بالسلطة المطلقة في روسيا. فحتى في الاتحاد السوفياتي سابقا، كان السلطة موزعة إلى حد ما. إذ بعد تنحية نيكيتا خروتشوف، أنشأ القادة السوفييت "الترتيب الثلاثي"، الذي وزع السلطة بين رئيس الوزراء أليكسي كوسيجين، والأمين العام ليونيد بريجنيف، ورئيس هيئة الرئاسة أناستاس ميكويان.

ورغم أن الاتحاد السوفيتي ظل دولة شمولية، كان هؤلاء القادة يدققون ويوازنون بعضهم البعض. وأدى ذلك إلى اعتماد نهج أكثر منهجية في العلاقات مع الولايات المتحدة، وعزز فعالية مبدأ التدمير المتبادل المؤكد. ولا توجد مثل هذه العقلانية في تشكيل صنع القرار الروسي اليوم. لذا، فإن مواجهة روسيا تتطلب كل النُّهج الممكنة التي قد تخفف من التهديد الذي يمثله بوتين.

إن اعتداءه على أوكرانيا وحشي، ومع العالم كل الحق في أن يغضب. إن الشعب الأوكراني، الذي أظهر شجاعة كبيرة وقدم تضحيات جسيمة، يستحق منا احترامنا العميق ودعمنا الكامل. ولكن بوتين الذي لم يعد لديه ما يخسره أصبح أخطر مما كان عليه سابقا. ولتجنب الحرب النووية، يجب أن يظل الدبلوماسيون وقادة العالم منفصلين عاطفياً وعقلانيين قدر الإمكان.

وفي هذه اللحظة الغريبة والمخيفة، يحتاج العالم إلى دولة تظل محايدة نسبيًا، وتحافظ على التواصل مع الكرملين، ولديها بعض النفوذ على روسيا. وهذا البلد هو الصين.

إن أحد السيناريوهات التي تبعث على الأمل هو أن الصين تحافظ على حوار مع بوتين وأنها ستستخدم نهجًا أقل أخلاقية تجاه الصراع في أوكرانيا. ويجب أن تطبق الصين الدبلوماسية الهادئة عند الاقتضاء والضغط الاقتصادي عند الضرورة. ولكن الفرصة المتاحة لاتخاذ الإجراءات اللازمة آخذة في الانتهاء. ويمكن للحرب في أوكرانيا أن تخرج عن نطاق السيطرة بسهولة، مما سيهدد الاستقرار والآفاق الاقتصادية للصين والسلام العالمي. ويمكن أن يكون إبقاء قناة مفتوحة لروسيا تكتيكًا مفيدًا، لكن الهدف الثابت هو تحويل روسيا عن مسارها المتهور نحو الحرب.

إن الصين اعتمدت سياسة خارجية تهدف إلى "بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية". ويتطلب تحقيق هذه الرؤية أن تحث الصين بوتين على وقف حرب تهدد مستقبلنا جميعًا.

ترجمة: نعيمة أبروش   Translated by Naaima Abarouch

ياشنغ هوانغ أستاذ الاقتصاد العالمي والإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بكلية سلون للإدارة، وهو مؤلف كتاب سيصدر لاحقا بعنوان:

https://prosyn.org/X5sPDxcar