3

خلايا جديدة شُجاعة؟

لندن ــ أطلقت هيئة التخصيب وعلم الأجنة البشرية في المملكة المتحدة مشاورات عامة لقياس المواقف تجاه الإجراءات الطبية الجديدة المثيرة للجدال والتي تهدف إلى الوقاية من انتقال الأمراض المستعصية على العلاج والناتجة عن تحورات في بنية الخلية التي يطلق عليها مسمى ميتوكوندريا (الـمُتَقَدِّرات). ويصور أنصار هذه البحوث كل الانتقادات الموجهة إليها بوصفها معارضة لإنقاذ حياة الأطفال وعائقاً أمام التطور العلمي. بيد أن هذه النظرة تهمل عاملاً حاسماً في المناقشة: وهو أن التقنيات الخاضعة للتطوير تشتمل على تغيرات جينية دائمة تنتقل إلى أجيال المستقبل.

الميتوكوندريا هي في واقع الأمر "البطاريات" التي تنتج الطاقة في الخلية، وهي تحتوي على الحمض النووي الوحيد خارج نواة الخلية ــ 37 من الجينات، أو ما يقرب من 0,2% من المكون الجيني لأي إنسان. ولأن البويضة تحتوي على هذه الجينات، الأمر الذي يجعلها بالتالي موروثة عن الأم فقط، فإن التقنيات الجديدة تهدف إلى الاستعاضة عن الميتوكوندريا المتحولة لدى الأم بتلك التي تتبرع بها أنثى موفورة الصحة عن طريق بويضات خالية من التحور. ويسفر هذا عن إنتاج أجنة تحتوي على مادة جينية من ثلاثة أشخاص ــ والد الطفل وأمه، بالإضافة إلى المتبرعة بالبويضة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وبالتالي فإن السؤال الحقيقي هنا هو كيف يشعر الرأي العام إزاء تجاوز الخط بين العلاجات الطبية لأشخاص موجودين بالفعل وبين تبديلات جينية لا رجعة فيها ومن شأنها أن تنتقل إلى أجيال المستقبل عن طريق التعديل الجيني للخط الجيني الجنسي (سلسلة الخلايا الجنسية، مثل المني والبويضات، والتي تحتوي على المادة الجينية التي قد يرثها الطفل).

وعلى الرغم من النوايا الحسنة وراء أبحاث الميتوكوندريا، فإن المخاوف الدولية إزاء الآثار المترتبة على اختراق هذا الحاجز تتصاعد بشكل واضح. وليس الأمر أن أغلب الحكومات والعلماء في مختلف أنحاء العالم يعتبرون التعديل الجيني للخط الجنسي البشري أمراً غير مقبول فحسب؛ بل إنه أمر محظور صراحة في أكثر من أربعين دولة، بما في ذلك المملكة المتحدة. ونتيجة لهذا فإن ردود أفعال الخبراء في الولايات المتحدة، وكندا، وألمانيا، وإسرائيل، ودول أخرى جاءت منتقدة لاحتمال إقدام بريطانيا من جانب واحد على تقويض الإجماع على حظر مثل هذه التقنيات.

إن تحورات الميتوكوندريا من الممكن أن تخلف عواقب وخيمة، بما في ذلك، الصرع، والفشل الكبدي، والسكري، واعتلال ع��لة القلب. ولكن في حين يقدر عدد الأشخاص المتأثرين بمثل هذه التحورات بنحو واحد من كل 200 إلى 400، فإن هذه التحورات لا تترجم إلى أمراض خطيرة في أغلب الحالات. ولأن التغيرات الضارة لا تظهر إلا بمستويات متدنية، ولأن الخلية الواحدة قد تحتوي على ميتوكوندريا متحورة وطبيعية، فمن المعتقد على نطاق واسع أن شخصاً واحداً فقط من بين كل خمسة آلاف ــ أو حتى عشرة آلاف ــ قد يتأثر بمرض مرتبط بالميتوكوندريا.

وعلى الرغم من التكرار المنخفض نسبيا، فإن صندوق ويلكوم (منظمة مكرسة لتحسين صحة الإنسان والحيوان) تبرع مؤخراً بمبلغ 4 مليون جنيه إسترليني (6,5 مليون دولار أميركي) لعلماء في جامعة نيوكاسل لإنشاء مركز لأبحاث الميتوكوندريا. وفي بحث أجرى عام 2010، قدم العلماء تقريراً عن بعض النجاح المبكر مع تقنية تنطوي على استخدام لاقحات (أجنة وحيدة الخلية) تم تصميمها بحيث تحتوي على ميتوكوندريا سليمة فقط. ولكنهم تمكنوا من تطوير 8% فقط من اللاقحات لكي تبلغ مرحلة متقدمة بشكل طفيف.

ولكن في عام 2011، قدم ائتلاف من العلماء والممولين رسالة إلى وزير الدولة للشؤون الصحية السابق في المملكة المتحدة تطالبه بمراجعة القيود التنظيمية، من أجل السماح باستخدام تقنيات جديدة في العلاج السريري "بمجرد توفر الأدلة قبل السريرية الكافية". والواقع أن الجماعات ذات النفوذ التي تدعم الائتلاف ــ بما في ذلك أكاديمية العلوم الطبية في المملكة المتحدة، ومجلس البحوث الطبية، وصندوق ويلكوم ــ زعمت أن "ترجمة البحوث إلى علاج، تبدو في حكم الإمكان في المستقبل القريب".

ولكن "العلاج" لا يعني مساعدة أولئك الذين يعانون بالفعل. بل إن هذه التقنيات قد تسمح بدلاً من ذلك لمجموعة فرعية صغيرة من النساء المصابات أمراض مرتبطة بالميتوكوندريا (نحو 10 إلى 20 امرأة سنوياً في المملكة المتحدة) من أجل تقليل خطر وراثة أطفالهن للطفرات ــ على حساب تسجيل سابقة ذات عواقب محتملة خطيرة.

وبالإضافة إلى التشريعات الوطنية، فإن المعاهدات الدولية مثل اتفاقية مجلس أوروبا لحقوق الإنسان والطب الحيوي (التي لم توقع عليها المملكة المتحدة) تحظر على وجه التحديد التعديل الجيني للخط الجنسي البشري. والتفسير السهل وراء هذا الحظر هو بطبيعة الحال النفور الأخلاقي من علم تحسين النسل، العلم الزائف الذي يسعى إلى تحسين المكون الجيني للسكان، والذي حظي بشعبية كبيرة في الغرب في النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن يفقد مصداقيته بمثال النازيين.

وخلافاً لعلماء تحسين النسل، فإن أنصار تبديل الحمض النووي للميتوكوندريا يأملون ببساطة تحرير أجيال المستقبل من أمراض قاتلة. ورغم هذا فإن يخشون السقوط في منحدر زلق. ففي نهاية المطاف قد يؤدي اختراق الحاجز الأخلاقي والقانوني نحو التعديل الوراثي الدائم إلى زيادة صعوبة منع تطبيقات هذه البحوث في علاج حالات غير قاتلة، أو حتى تعزيز صفات مثل القدرة الإدراكية أو البراعة الرياضية.

بيد أن التهديد الأكثر إلحاحاً يتلخص في أن أي نوع من التعديل الوراثي للخط الجنسي البشري قد يؤدي إلى ضرر دائم في الأمد البعيد. وطبقاً لتقرير فريق الخبراء التابع لهيئة التخصيب وعلم الأجنة البشرية في المملكة المتحدة فإن إثبات سلامة تقنيات الميتوكوندريا بالنسبة للمستخدمين الحاليين لا يزال بعيدا. ولا أحد يستطيع أن يجزم ماذا قد تعني هذه التقنيات بالنسبة لذريتهم.

ووفقاً لجوانا بولتون، الخبيرة في بحوث الميتوكوندريا في جامعة أكسفورد، فمن غير اللائق أو المناسب حتى الآن تقديم علاج بمثل هذا القدر الضئيل من المعرفة بالعواقب المحتملة وخاصة في وجود بدائل معقولة ــ مثل التبرع بالبويضة من قِبَل امرأة غير متأثرة بمرض مرتبط بالميتوكوندريا أو عن طريق التشخيص الجيني قبل الزرع. وهي تقول: هناك عدد قليل للغاية من الأسر التي قد ترفض استخدام بويضات متبرع بها، عندما يفشل التشخيص الجيني قبل الزرع، وعندما يكون خطر إنجاب أطفال متضررين بشدة مرتفع إلى الحد الذي قد يجعل من المفيد تجربة تقنيات جديدة".

الواقع أن دراسات الميتوكوندريا بدأت بالفعل في تحقيق نتائج غير متوقعة. على سبيل المثال، لاحظ العلماء في ولاية أوريجون مؤخراً تخصيباً غير طبيعي لبعض البويضات البشرية التي عملوا عليها. ولأن البويضات المعيبة تنتهي إلى الإجهاض بطبيعة الحال، فإن الأمر يتطلب توفير عدد من البويضات أكثر من المتوقع لإتمام هذه التقنية ــ وهو ما قد يعرض المتبرعين للخطر. ولقد استخدم الفريق في دراسته 106 بويضة من سبع نساء، تبرعت إحداهن بما مجموعه 28 بويضة، الأمر الذي يشير إلى التحفيز المفرط للتبويض، وهو ما قد يشكل خطورة كبيرة بل وقد يكون قاتلا.

Fake news or real views Learn More

مثل كل المساعي البشرية، قد يرتكب العلم بعض الأخطاء. وتعديل الخط الجنسي الوراثي البشري يهدد بجعل هذه الأخطاء دائمة. والواقع أن المنظمات العلمية والخيرية التي تناصر أبحاث الميتوكوندريا في المملكة المتحدة تشعر بالفخر إزاء الإطار التشريعي الذي أباح لها إحراز "الريادة الدولية" في هذا السياق. ولكن امتداد هذا التساهل إلى تعديل الخط الجنسي الوراثي البشري قد يجعل أجيال المستقبل تنظر إلى تصرفات هذه المنظمات بشكل مختلف تماما.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali