1

داخل تأثير الدواء الوهمي

بوسطن ــ يرى كثيرون من الباحثين ومتابعي العلوم أن قلة من الأمور قد تكون أكثر إثارة للحيرة والارتباك من تأثير الدواء الوهمي. فكيف لحبة سكر عدية الفعالية أن يكون لها أي قيمة علاجية؟ تحتاج الإجابة على هذا السؤال فهماً واضحاً للسياق الذي يحيط بالعلاج الطبي ــ البيئة التي تجتمع فيها رموز وطقوس الرعاية الصحية بتفاعلات عاطفية مشحونة تنشأ عندما يواجه المرضى معالجيهم. فلا ينبغي لنا أن نغفل أهمية الثقة والتعاطف والأمل والخوف والتهيب وعدم اليقين في القاء العلاجي.

فباستخدام حبوب السكر ومحاليل الحقن الملحية أو حتى الجراحة الصورية، تعزل بحوث الدواء الوهمي عملية توفير الرعاية عن التأثيرات المباشرة للأدوية والإجراءات الحقيقية. وقد أثبتت أبحاث حديثة على تأثير الدواء الوهمي أن اللقاء السريري وحده ــ دون تقديم أي علاج طبي "حقيقي ــ من الممكن أن يخفف الألم، ويحسن النوم، ويخفف من الاكتئاب وأعراض مجموعة واسعة من الحالات المرضية، بما في ذلك متلازمة القولون العصبي، والربو، ومرض باركنسون، وأمراض القلب، والصداع النصفي.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

إن الأدوية الوهمية تؤثر في الأساس على التقييم الذاتي للمريض. فهي لا تستطيع أن تقلص ورما؛ ولكنها قادرة على مساعدة المريض من خلال تخفيف شعوره بالأعراض المرتبطة بالسرطان وعلاجه مثل الإجهاد والغثيان والألم والقلق. ولا يمكنها أن تقلل من نسبة الكولسترول أو تخفض ضغط الدم المرتفع، ولكنها قد تغير المزاج أو الشعور بالألم بالقدر الكافي لتشجيع السلوكيات الأكثر تعزيزاً للصحة.

ومن الممكن أن تعمل الأدوية الوهمية عمل العقاقير؛ ومن الممكن أيضاً أن يعمل تأثير الدواء الوهمي على جعل العقاقير أكثر فعالية. وتبين الأبحاث أن العديد من المكونات الداخلة في تأثير الدواء الوهمي ــ على سبيل المثال المعدات الطبية أو الرعاية (الحبوب والحقن) والعلاقة بين المريض ومقدم العلاج ــ يمكن إضافتها وزيادتها تدريجياً بطريقة مشابهة للاعتماد على الجرعة (كلما زادت الجرعة كان التأثير أعظم).

الواقع أن هذه المكونات أثبتت قدرتها على تعزيز فعالية العديد من العلاجات القوية. على سبيل المثال، عندما يقدم المورفين للمريض عن طريق الحقن في مرأى ومسمع من المريض فإن تأثير يكون أقوى بدرجة كبيرة مما لو تم تقدميه له عبر أنبوب وريدي دون علمه.

وتساهم العديد من الآليات النفسية في الاستجابات للأدوية الوهمية. فالأمل الزائد، والتوقعات الإيجابية، وانحسار الشعور بالقلق، كل هذا يعمل على تعديل "الحالة الذهنية" التي توجه استجابة المرضى للمشاعر البغيضة. وتشير الأدلة بقوة إلى أن الدعم والتعاطف من قِبَل الطبيب الكثير الاهتمام والملاطفة والمجاملة من الممكن أن يعمل على تحسين النتائج السريرية. وقد ثبت في واقع الأمر أن الدلالات والرموز البيئية غير الواعية ــ المعطف الأبيض أو الدبلوم المعلق على الجدار ــ من الممكن أن "يجهز" المريض للشعور بالتحسن.

حتى وقت قريب كان من المفترض أن التأثيرات التي تخلفها الأدوية الوهمية تعتمد على الإخفاء أو الخداع. فكان لابد من حمل المريض على الاعتقاد بأن العلاج "حقيقي" لكي يعمل الدواء الوهمي. ولكن البحوث الحديثة تشير إلى احتمال التحسن السريري بشكل كبير حتى لو قيل للمرضى إنهم يتناولون مادة غير فعّالة. وهذا يشير إلى أن التفعيل البسيط للطقوس العلاجية، مثل التوقعات الواعية، من الممكن أن يخلف تأثيراً قويا.

ويبدو أن قوة الخيال تستند في واقع الأمر إلى أساس في علم الأعصاب. فتبين أدلة حديثة أنه عندما تخلف الأدوية الوهمية تأثيرات نافعة للصحة فإنها تسلك في نفس المسارات العصبية التي تسلكها الأدوية الفعّالة. على سبيل المثال، عندما يشعر المريض بتخفيف الألم بسبب الدواء الوهمي، فإن الدماغ يطلق مواد أفيونية ذاتية و/أو مادة الـCB1الشبيهية بالكانابيديول ــ وهي نفس الآليات التي تتدخل لتخفيف الآلام باستخدام العلاجات الدوائية.

وعلى نحو مماثل، تشير دراسات تصوير الأعصاب إلى أن العلاج بالأدوية الوهمية يعمل على تنشيط هياكل محددة في الدماغ مثل قشرة الفص الجبهي والقشرة الحزامية الأمامية المنقارية. كما أظهرت التجارب التي أجريت على المرضى الذين يعانون من مرض باركنسون أن العلاج بالأدوية الوهمية يطلق مادة الدوبامين الذاتية في منطقة الجسم المخطط من الدماغ. وعلاوة على ذلك، تشير بحوث تجريبية مثيرة للاهتمام أن بعض العوامل الجينية (الوراثية) ربما تهيئ المرء ليكون أكثر استجابة للدواء الوهمي.

إن التأثيرات المترتبة على الأدوية الوهمية ليست نافعة دائما. فتأثير الدواء الوهمي له توأم مظلم يسمى التأثير الجانبي الضار للدواء الوهمي. ورغم أن الأدوية الوهمية خاملة بيولوجيا، فإن نحو 26% من المرضى المعالجين بالأدوية الوهمية يتسربون من التجارب السريرية بعد معاناة تأثيرات جانبية لا تطاق، وهي عادة نفس التأثيرات الجانبية المحتملة التي قد يخلفها الدواء موضوع التجربة. على سبيل المثال، في تجربة دواء مضاد للصداع النصفي، إذا كانت المادة الفعّالة أحد مضادات الاختلاج فإن التأثير الجانبي الضار للدواء الوهمي سوف يرتبط بشكل غير متناسب بفقدان الشهية أو الذاكرة؛ ولكن إذا لم تكن المادة الفعالة من الستيرويدات المضادة للالتهاب، فإن التأثير الجانبي الضار للدواء الوهمي سوف يكون في الأغلب اضطرابات معدية معوية وشعور بالظمأ.

وهذا يؤكد على أهمية تأثيرات الدواء الوهمي في تطوير العقاقير الجديدة. فللموافقة على أدوية جديدة، تلزم إدارة الأغذية والدواء في الولايات المتحدة الشركة المنتجة بإجراء اثنتين من التجارب جيدة التصميم والمحكومة عشوائياً حيث يثبت العقار الجديد تفوقه على العلاج بالدواء الوهمي. بيد أن الأدلة تشير رغم ذلك إلى أن تأثيرات الأدوية الوهمية أصبحت مع بعض الأمراض أكبر كثيراً على مدى العقود العديدة الماضية. ويفرض هذا "الانجراف للأدوية الوهمية" تحديات كبيرة على عملية الكشف عن الاختلافات بين العقار الفعّال والدواء الوهمي.

وهذا يسلط الضوء على نقطة أكثر جوهرية: ففي اندفاعنا لتبني الطب الفائق تكنولوجيا، نميل إلى نسيان إمكانات الشفاء الهائلة التي قد تنشأ عن العلاقة العلاجية الطيبة. فقد أثبتت أبحاث الدواء الوهمي أن السياق الذي يدور فيه العلاج والعلاقة بين المريض والطبيب من الأمور التي تحمل إمكانات كبيرة في ما يتصل بتحسين النتائج الصحية.

Fake news or real views Learn More

وينبغي لنا أن نتعلم المزيد عن قوة تأثير الدواء الوهمي وحدوده. كما ينبغي لنا أن نتعلم كيف نترجم هذه المعرفة العلمية إلى أساليب أخلاقية فعّالة يستطيع الطبيب أن يستخدمها لتحسين النتائج الطبية. ومن الأهمية بمكان أن نعرف المزيد عن تأثير الدواء الوهمي في التجارب السريرية. باختصار، يتعين علينا أن نكف عن التفكير من منظور "فن الطب" وأن نبدأ استكشاف علوم الاستشفاء الجديدة.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali