32

التخلي عن التقدم

باريس- يُذكر كل من مارجريت ثاتشر ورونالد ريجان بالثورة التي أطلقاها في بداية الثمانينات والقائمة على مبدأ عدم التدخل فقد فازا في حملاتهما الإنتخابية على أساس الوعد بأن رأسمالية السوق الحرة ستطلق النمو وتعزز الازدهار وفي عام 2016، أطلق نايجل فراج، الذي كان وقتئذ رئيس حزب الاستقلال البريطاني (حزب الاستقلال) وكان العقل المدبر لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) ودونالد ترامب الرئيس الأمريكي المنتخب حملتهما على أساس مختلف تمامًا وهو "الحنين إلى الماضي" وتمكنا من الفوز على أساسهما. وفي وواقع الأمر فإن وعودهما شملت: "استعادة السيطرة" و"استعادة عظمة أمريكا"- وبعبارة أخرى "إعادة عقارب الساعة للوراء".

وكما أوضح مارك ليلا الأستاذ بجامعة كولومبيا فإن إنبعاث الرجعية مجددا لا يقتصر على المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، ففي الكثير من البلدان المتقدمة والناشئة أصبح الماضي فجأة أكثر أهمية من المستقبل. ففي فرنسا، تميل مارين لوبان، مرشحة اليمين القومي في الانتخابات الرئيسية المقبلة، صراحة إلى تلك الحقبة التي كانت الحكومة الفرنسية تسيطر فيها على الحدود وتحمي الصناعة وتدير العملة، وكانت هذه الحلول ناجحة في الستينيات من القرن العشرين كما تدعي زعيمة الجبهة الوطنية مما يعني أن تنفيذها في الوقت الراهن سيعيد الازدهار إلى فرنسا.

لا شك أن مثل هذه الإغراءات قد دقت على وترٍ حساس لدى الناخبين في جميع أنحاء الغرب وكان العامل الرئيسي لهذا التحول في التوجهات العامة أن الكثير من المواطنين فقدوا ثقتهم في التقدم وأصبحوا لا يؤمنون بأن المستقبل سوف يحقق لهم تحسنًا ماديًا وأن أبناءهم سوف يحيون حياة أفضل من حياتهم ولهذا فإن نظرتهم إلى الماضي تنبع من خوفهم من التطلع إلى المستقبل.

فقد التقدم بريقه لأسباب عديدة: أولها: عقد من الأداء الاقتصادي السيء للغاية فبالنسبة لأي شخص يقل عمره عن الثلاثين، لاسيما في أوروبا، أصبح الوضع الطبيعي الجديد هو الركود والجمود وأدت الأزمة المالية إلى خسائر فادحة. وعلاوة على ذلك فإن وتيرة المكاسب الإنتاجية في الدول المتقدمة (وإلى حد كبير في الدول الناشئة) مخيبة للآمال للغاية. ونتيجة لذلك فإن مكاسب الدخل التي يمكن توزيعها قليلة جدًا- وتقل أكثر في المجتمعات التي تعاني من الشيخوخة حيث يقل عدد العاملين ويعيش من لا يعمل لمدة زمنية أطول. لا يمكن أن يستمر هذا الواقع المرير (ولا يوافق كل الاقتصاديين على استمراريته) لكن المواطنين معذورون على أخذهم الأمور على ظاهرها.