Martin Luther's translation Sean Gallup/Getty Images

كيف نتعلم من مارتن لوثر كنج عن الإرباك التكنولوجي

جنيف ــ قبل خمسمائة عام، قام كاهن قليل الشهرة ومحاضر جامعي في عِلم اللاهوت بتصرف معتاد في عصره: فقد علق التماسا على باب، مطالبا بإجراء مناظرة أكاديمية حول ممارسة الكنيسة الكاثوليكية المتمثلة في بيع "صكوك الغفران" ــ التي كانت تَعِد المشتري أو أحد أقاربه بقضاء زمن أقل في الـمَطهَر (الأعراف) بعد وفاته.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

واليوم، بات من المعترف به على نطاق واسع أن "أطروحة القضايا الخمس والتسعين" التي علقها مارتن لوثر على باب كنيسة القلعة في فيتنبرج بألمانيا (وفي الوقت نفسه أرسل نسخة إلى رئيسه الكاردينال ألبرخت فون براندنبورج)، كانت الشرارة التي بدأت الإصلاح البروتستانتي. ففي غضون عام واحد، أصبح لوثر واحدا من أكثر الناس شهرة في أوروبا، وبدأت أفكاره ــ التي لم تكتف بتحدي ممارسات الكنيسة وسلطة البابا، بل وفي نهاية المطاف تحدت أيضا علاقة الإنسان بالخالق ــ في إعادة تشكيل أنظمة السلطة والهوية بأساليب لا تزال ملموسة حتى يومنا هذا.

تُرى ما الذي جعل تصرفات لوثر على هذا القدر الهائل من الأهمية؟ فقد توالت دعوات إصلاح الكنيسة بانتظام لقرون من الزمن من قبله. وكما ذكر المؤرخ ديارميد ماكولوك في كتابه "تاريخ المسيحية: أول ثلاثة آلاف سنة"، شهد القرنان السابقان لظهور لوثر تحديات شبه ثابتة للسيادة البابوية على قضايا الفلسفة واللاهوت والسياسة. فكيف إذن لهموم عالِم لاهوت بلا أهمية كبيرة في ساكسونيا أن تؤدي إلى انقلاب ديني وسياسي واسع الانتشار إلى هذا الحد؟

تكمن قطعة مركزية في هذا اللغز في الدور الذي لعبته التكنولوجيا الناشئة. فقبل بضعة عقود من الزمن من بلورة لوثر لحجته، اخترع حداد ألماني يدعى جوهانس جوتنبرج نظاما جديدا لنمط متحرك من الطباعة، الأمر الذي سمح باستنساخ الكلمة المكتوبة بسرعات أكبر وتكاليف أقل مقارنة بطريقة القوالب الخشبية الشاقة والأقل دواما.

كانت المطبعة تكنولوجيا ثورية ــ وبالغة القوة ــ لنشر الأفكار. ففي عام 1455، كان "إنجيل جوتنبرج" يُطبَع بمعدل 200 صفحة تقريبا في اليوم، وهذا أسرع كثيرا من معدل الثلاثين صفحة الذي كان الناسخ الجيد التدريب فقط يستطيع بلوغه. وفي زمن لوثر، ازداد معدل الطباعة اليومي لآلة الطباعة الواحدة إلى ما يقرب من 1500 صفحة على جانب واحد. وسمحت كفاءة الطباعة المحسنة، مقترنة بانخفاض حاد في التكلفة، بزيادة هائلة في القدرة على الوصول إلى الكلمة المكتوبة في الفترة من 1450 إلى 1500، حتى برغم أن ما يقدر بنحو 6% فقط من السكان كانوا يعرفون القراءة والكتابة.

وسرعان ما أدرك لوثر الإمكانات التي قد تتيحها المطبعة لنشر رسالته، فابتكر فعليا أشكالا جديدة للنشر كانت تتسم بالقِصَر والوضوح، وكانت مكتوبة بالألمانية، لغة الشعب. ولعل المساهمة الشخصية الأكثر دواما التي قدمها لوثر كانت ترجمة الكتاب المقدس من اليونانية والعبرية إلى الألمانية. وكان حريصا على "التحدث بلغة رجل الشارع"، وعلى مدار العقود التالية، طُبِع أكثر من 100 ألف نسخة من "إنجيل لوثر" في فيتنبرج، مقارنة بنحو 180 نسخة فقط من إنجيل جوتنبرج اللاتيني.

كما ساعد استخدام تكنولوجيا الطباعة على هذا النحو، لإنتاج كتيبات قصيرة نابضة بالنشاط وبلغة عامية دارجة، في تحويل الصناعة ذاتها. ففي العقد السابق لرسائل لوثر، نشرت مطابع فيتنبرج ثمانية كتب فقط سنويا في المتوسط، وكانت جميعها باللغة اللاتينية وتستهدف جمهور الجامعة المحلية. ولكن وفقا للمؤرخ البريطاني أندرو بيتيجري، أخرج الناشرون المحليون في الفترة بين عام 1517 ووفاة لوثر في عام 1546 "ما لا يقل عن 2721 عملا" ــ ومتوسط "91 كتاب سنويا ــ تمثل نحو ثلاثة ملايين نسخة فردية.

وتشير حسابات بيتيجري إلى أن ثلث الكتب التي نشرت خلال هذه الفترة كانت من تأليف لوثر ذاته، وأن وتيرة النشر استمرت في الزيادة بعد وفاته. كان لوثر ينشر فعليا عملا مكتوبا كل أسبوعين ــ طوال 25 عاما.

عملت المطبعة على توسيع إمكانية الوصول إلى الجدال الديني الذي ساعد لوثر في تأجيجه، مما أدى إلى تحفيز الثورة ضد الكنيسة. ويشير بحث أجراه المؤرخ الاقتصادي جاريد روبين إلى أن مجرد وجود المطبعة في إحدى المدن قبل عام 1500 كان كافيا لكي يزيد إلى حد كبير احتمالات تحول أهلها إلى البروتستانتية بحلول عام 1530. بعبارة أخرى، كلما كان محل إقامتك أقرب إلى إحدى المطابع، كلما ارتفعت احتمالات تغييرك للطريقة التي كنت تنظر بها إلى علاقتك مع الكنيسة، المؤسسة الأكثر قوة في ذلك الوقت، بل وعلاقتك مع الرب.

بوسعنا أن نستخلص درسين معاصرين على الأقل من مثل هذا التطور التكنولوجي المعطل للسبل السائدة. فبادئ ذي بدء، في سياق "الثورة الصناعية الرابعة" في العصر الحديث ــ والتي يعرفها كلاوس شواب من المنتدى الاقتصادي العالمي بوصفها خليط منصهر من التكنولوجيات تمتزج فيه المجالات الفيزيائية والرقمية والبيولوجية ــ يُصبِح من المغري أن نحاول تقييم أي التكنولوجيات ربما تكون المطبعة التالية. وربما حتى يتحرك أولئك الذين قد يخسرون من هذه التكنولوجيا للدفاع عن الوضع الراهن، كما فعل مجمع ترنت في عام 1546، عندما حظر الطباعة أو بيع أي نسخ من الكتاب المقدس غير الترجمة اللاتينية الرسمية، دون موافقة الكنيسة.

ولكن لعل الدرس الأكثر دواما الذي يمكننا استخلاصه من دعوة لوثر لإدارة مناقشة علمية ــ واستخدامه للتكنولوجيا لعرض آرائه ــ هو أن دعوته فشلت. فبدلا من إطلاق سلسلة من المناقشات العامة حول سلطة الكنيسة المتنامية، تحول الإصلاح البروتستانتي إلى معركة مريرة توالت فصولها وتجلت عبر الاتصالات الجماهيرية، فأفضى ذلك ليس إلى انقسام مؤسسة دينية فحسب، بل وأيضا منطقة بأسرها. والأسوأ من ذلك أنها تحولت إلى وسيلة لتبرير قرون من الفظائع، وأشعلت شرارة حرب الثلاثين عاما، أو الصراع الديني الأكثر دموية في التاريخ الأوروبي.

السؤال المطروح اليوم هو كيف يمكننا أن نضمن دعم التكنولوجيات الجديدة للمناقشة البنّاءة. فلا يزال العالم مليئا بالبدع التي تهدد هوياتنا ومؤسساتنا؛ ومكمن الصعوبة هنا هو النظر إليها ليس باعتبارها أفكارا يجب قمعها بعنف، بل بوصفها فرصة لفهم أين وكيف تُقصي المؤسسات الحالية الناس أو تفشل في تحقيق الفوائد الموعودة.

ربما تبدو الدعوة إلى المشاركة البنّاءة سهلة أو ساذجة أو حتى مزعزعة أخلاقيا. ولكن البديل ليس فقط ترسيخ الانقسامات وتنفير المجتمعات؛ بل هو أيضا تجريد الناس من إنسانيتهم على نطاق واسع، وهو الميل الذي يبدو أن التكنولوجيات الحالية تشجعه.

الحق أن الثورة الصناعية الرابعة اليوم ربما تكون الفرصة لإصلاح علاقتنا مع التكنولوجيا وتضخيم أفضل ما في الطبيعة البشرية. ولكن اغتنام هذه الفرصة يستلزم أن تكتسب المجتمعات فهما أكثر دقة للتفاعل بين الهوية، والسلطة، والتكنولوجيا، مقارنة بالفهم الذي تمكنت من التوصل إليه في زمن لوثر.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/FER7VjB/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now