65

فات أوان تعويض الخاسرين بفعِل التجارة الحرة

كمبريدج ــ يبدو أن إجماعا جديدا استحوذ على نُخَب المال والأعمال والسياسة في العالَم اليوم حول كيفية التصدي لردود الفعِل السلبية المعادية للعولمة والتي استغلها الشعبويون من أمثال دونالد ترمب بكل اقتدار. فالآن، وَلَّت أيام التأكيدات الواثقة على أن العولمة تعود بالنفع على الجميع، والآن تعترف النخب بأننا لابد أن نتقبل حقيقة مفادها أن العولمة تنتج الفائزين والخاسرين. ولكن الاستجابة الصحيحة ليست وقف العولمة أو عكس اتجاهها؛ بل ضمان تعويض الخاسرين.

وهذا الإجماع الجديد مشروح بإيجاز في كلمات نورييل روبيني: فهو يقول: "إن ردة الفعل العنيفة ضد العولمة يمكن احتواؤها وإدارتها من خلال سياسات تستهدف تعويض العمال عن أضرارها وتكاليفها الجانبية. وفقط من خلال تفعيل هذه السياسات يبدأ الخاسرون بسبب العولمة في إدراك إمكانية انضمامهم إلى صفوف الفائزين في نهاية المطاف".

وتبدو هذه الحجة منطقية تماما، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي. فقد عرف أهل الاقتصاد منذ فترة طويلة أن عولمة التجارة تُفضي إلى إعادة توزيع الدخول وخسائر مؤكدة لبعض المجموعات، حتى في حين تعمل على تعظيم حجم الفطيرة الاقتصادية الكلية للبلاد. وعلى هذا، تعزز الاتفاقيات التجارية الرفاهة الوطنية على نحو لا لبس فيه ولكن بقدر ما يحرص الفائزون على تعويض الخاسرين. كما يضمن التعويض دعم الجماهير الانتخابية الأعرض للانفتاح التجاري والسياسات التي ينبغي لها أن تكون جيدة.

قبل نشوء دولة الرفاهة، كان التوتر بين الانفتاح وإعادة التوزيع يُحَل إما من خلال هجرة العمال الواسعة النطاق أو عن طريق فرض تدابير الحماية التجارية، وخاصة في المجالات الزراعية. ومع ظهور دولة الرفاهة، أصبح القيد أقل إلزاما، مما سمح بالمزيد من تحرير التجارة. والدول المتقدمة التي هي الأكثر عُرضة للاقتصاد الدولي اليوم هي أيضا الدول التي توفر شبكات الأمان وبرامج الضمان الاجتماعي ــ دولة الرفاهة ــ الأوسع نطاقا والأعرض تغطية. وقد أظهرت البحوث في أوروبا أن الخاسرين بفِعل العولمة داخل الدول يميلون إلى تفضيل البرامج الاجتماعية الأكثر نشاطا والتدخلات في سوق العمل.