25

وباء التقشف

نيويورك ــ في اجتماعات الربيع التي جرت هذا العام بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن العاصمة، حث صندوق النقد الدولي الدول الأوروبية على تخفيف سياسات التقشف والتركيز على الاستثمار، وهذا يُعَد تحولاً كبيراً عن لغة الماضي وخِطابه. ولكن في أروقة هاتين المؤسستين اللتين تشارك فيهما أطراف متعددة، دارت أحاديث حول معايير مزدوجة.

الواقع أن أغلب الدول تعمل على خفض الإنفاق العام ــ وبدعم من صندوق النقد الدولي. وبالتالي، فبرغم أن بعض دول الشمال بدأت تشكك في وصفة التقشف، فإن نظيراتها في الجنوب (بما في ذلك بلدان جنوب أوروبا) تتبنى على نحو متزايد تدابير التكيف المالي.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ووفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي، فإن ثلاثة أرباع الحكومات الـ 119 التي قررت تقليص موازناتها لعام 2013 (نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي) كانت في دول نامية (بما في ذلك 21 دولة ذات دخل منخفض و68 دولة ذات دخل متوسط). وتؤثر برامج تقليص العجز والديون الحكومية على نحو 80% من مواطني الدول النامية، ومن المتوقع أن يشتد تأثيرها بشكل مطرد حتى عام 2015. وخلال هذا الوقت، فإن حجم الانكماش سوف يكون كبيرا، حيث من المتوقع أن تخفض ربع الدول النامية تقريباً إنفاقها إلى ما دون مستويات ما قبل الأزمة.

ووفقاً لاستعراض مناقشات السياسة العامة من 314 من تقارير صندوق النقد الدولي عن بلدان بعينها، والتي نشرت منذ عام 2010 ــ وهو جزء من تحديث شامل للتحول العالمي نحو التقشف ــ فإن العديد من تدابير التكيف كانت أكثر انتشاراً في البلدان النامية، حيث يتحمل المواطنون بشكل خاص عواقب التقشف الاقتصادية والاجتماعية.

إن مقياس التكيف الأكثر شيوعا، والذي تستخدمه الحكومات في 78 دولة نامية، هو خفض إعانات الدعم. وكثيراً ما تكون المداولات حول هذا الموضوع ــ في 55 دولة نامية في واقع الأمر ــ مصحوبة بمناقشة الاحتياج إلى شبكة أمان اجتماعي موجهة لتعويض أفقر المواطنين عن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل.

ولكن وضع وتنفيذ أرضية للحماية الاجتماعية يستغرق وقتاً طويلا، ولا يبدو أن الحكومات راغبة في الانتظار. ففي وقت حيث كانت الحاجة إلى المساعدات الغذائية شديدة بشكل خاص، فإذا ببعض الحكومات تسحب الإعانات الغذائية وتبادر حكومات أخرى إلى تقليص إعانات دعم المدخلات الزراعية مثل البذور، والأسمدة، والمبيدات الحشرية، وهو ما أدى إلى إعاقة الإنتاج المحلي من الغذاء.

وعلى نحو مماثل، فإن خفض أجور القطاع العام أو وضع حد أقصى لها ــ وهو ما يجري حالياً في 75 دولة نامية ــ يهدد بتقويض كفاءة تسليم الخدمات للمواطنين، وخاصة على المستوى المحلي في المناطق الريفية الفقيرة، حيث يستطيع معلم أو ممرض أن يحدد أي الأطفال يحصل على التعليم أو الرعاية الصحية وأيهم يحرم منها. ويشتد هذا الخطر في 22 دولة نامية حيث يفكر صناع السياسات في إصلاح نظام الرعاية الصحية، وفي 47 دولة نامية حيث تدور مناقشات عامة حول إصلاح نظام معاشات التقاعد.

وعلى جانب العائدات، فإن نحو 63 دولة تفكر في زيادة ضرائب الاستهلاك، مثل ضريبة القيمة المضافة. ولكن فرض الضرائب على المواد الغذائية الأساسية والمستلزمات المنزلية من الممكن أن يخلف تأثيراً غير متناسب على الأسر ذات الدخول الأدنى، والتي أصبحت دخولها المتاحة محدودة بالفعل، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم أوجه التفاوت القائمة.

وبدلاً من خفض الإنفاق، فيتعين على قادة الدول النامية أن يركزوا على توفير فرص العمل اللائقة وتحسين مستويات المعيشة لمواطنيهم. وينبغي لهم أن يدركوا أن التقشف لن يساعدهم في تحقيق أهداف التنمية. بل على العكس من ذلك، فإن خفض الإنفاق سوف يلحق الضرر بأكثر مواطنيهم ضعفا، ويوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويساهم في زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

والواقع أن الاضطرابات الاجتماعية أصبحت في ارتفاع بالفعل في مختلف أنحاء العالم النامي. فمن ثورات الربيع العربي إلى أعمال الشغب العنيفة بسبب نقص المواد الغذائية، والتي اندلعت في الأعوام الأخيرة في مختلف أنحاء آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، تتفاعل الشعوب مع التأثيرات المتراكمة المتمثلة في البطالة المتفشية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتدهور الأحوال المعيشية.

ولكن عصرنا لا ينبغي له أن يكون عصر تقشف بالضرورة؛ والحكومات، حتى في أفقر الدول، لديها خيارات تستطيع من خلالها تعزيز التعافي الاقتصادي المستجيب اجتماعيا. وهذا يتضمن بين تدابير أخرى، إعادة هيكلة الديون، وزيادة تصاعد الضرائب (على الدخول الشخصية، والممتلكات، والشركات، بما في ذلك القطاع المالي)، والحد من التهرب الضريبي واستخدام الملاذات الضريبية والتدفقات المالية غير المشروعة.

Fake news or real views Learn More

وفي نهاية المطاف، فإن خفض الأجور والخدمات العامة ودخول الأسر يعرقل التنمية البشرية، ويهدد الاستقرار السياسي، ويؤدي إلى انخفاض الطلب، وتأخير التعافي. وبدلاً من الاستمرار في التشبث بسياسات ضررها أكثر من نفعها فيتعين على صناع السياسات أن يفكروا في نهج جديد ــ نهج يساهم بالفعل في تقدم بلدانهم اجتماعياً واقتصاديا.

ترجمة: أمين علي Translated by: Amin Ali