44

وعد الندم على الخروج

لندن ــ قبل أن يصوت شعب المملكة المتحدة لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، كانت أزمة اللاجئين المشكلة الأكبر التي تواجهها أوروبا. والواقع أن الأزمة لعبت دورا حاسما في إحداث الكارثة الأعظم المتمثلة في الخروج البريطاني.

كان التصويت لصالح خروج بريطانيا صدمة عظيمة؛ وفي صباح اليوم التالي للتصويت، بدا تفكك الاتحاد الأوروبي حتميا من  الناحية العملية. وساعدت الأزمات التي تختمر في بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي، وخاصة إيطاليا، في تعميق التوقعات القاتمة في ما يتصل بقدرة الاتحاد الأوروبي على البقاء.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ولكن مع انحسار الصدمة الأولية الناجمة عن الاستفتاء البريطاني، يحدث أمر غير متوقع: لم تعد المأساة تبدو حقيقة واقعة حتما. فقد بدأ العديد من الناخبين البريطانيين يشعرون بدرجة من "ندم المشترين" مع تحول الافتراضي إلى حقيقي. فقد تدنت قيمة الجنيه الإسترليني. وأصبح عقد استفتاء اسكتلندي آخر احتمالا شديد الترجيح. وانخرط زعماء حملة "الخروج" سابقا في نوبة غريبة من التدمير الذاتي المهلك، وبدأ بعض أتباعهم يتأملون المستقبل الكئيب الذي ينتظر البلاد وينتظرهم شخصيا. وكانت إحدى العلامات الدالة على تحول الرأي العام الحملة التي يدعمها أكثر من أربعة ملايين شخص حتى الآن لتقديم التماس للبرلمان لعقد  استفتاء ثان.

وتماما كما كان الخروج البريطاني مفاجأة سلبية، كانت الاستجابة العفوية له مفاجأة إيجابية. فقد أصبح الناس على جانبي القضية ــ وأكثرهم أهمية أولئك الذين لم يدلوا بأصواتهم (وخاصة الشباب تحت سن 35 ��نة) ــ محفزين. وهذا هو النوع من المشاركة الشعبية التي لم يكن الاتحاد الأوروبي قادرا على توليدها قَط.

أبرزت اضطرابات ما بعد الاستفتاء للناس في بريطانيا ما الذي يمكنهم أن يخسروه على وجه التحديد بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وإذا انتشرت هذه المشاعر إلى بقية أوروبا، فإن ما بدا وكأنه التفكك الحتمي للاتحاد الأوروبي قد يتحول بدلا من ذلك إلى زخم إيجابي للدفع باتجاه أوروبا أقوى وأفضل.

وقد تبدأ هذه العملية في بريطانيا. صحيح أن عكس التصويت الشعبي أمر غير وارد، ولكن حملة جمع التوقيعات من الممكن أن تحول المشهد السياسي من خلال الكشف عن حماس مكتشف حديثا لعضوية الاتحاد الأوروبي. ومن الممكن أن يتكرر هذا النهج لاحقا في بقية الاتحاد الأوروبي، فيخلق حركة لإنقاذ الاتحاد الأوروبي من خلال إعادة الهيكلة العميقة. وأنا على اقتناع بأن المزيد والمزيد من الناس سوف يحرصون على الانضمام إلى هذه الحركة مع تكشف العواقب المترتبة على الخروج البريطاني في الأشهر المقبلة.

لا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعاقب الناخبين البريطانيين في حين يتجاهل مخاوفهم المشروعة حول أوجه القصور التي تعيب الاتحاد. وينبغي لقادة أوروبا أن يعترفوا بأخطائهم ويدركوا العجز الديمقراطي في الترتيبات المؤسسية الحالية. وبدلا من التعامل مع الخروج البريطاني وكأنه تفاوض على طلاق، فينبغي لهم أن يغتنموا الفرصة لإعادة اختراع الاتحاد الأوروبي ــ وجعله النادي الذي ترغب المملكة المتحدة وغيرها من البلدان المعرضة لخطر الخروج في الانضمام إليه.

إذا رأي الناخبون الساخطون في فرنسا وألمانيا والسويد وإيطاليا وبولندا وأماكن أخرى أن الاتحاد الأوروبي يعود بالفائدة على حياتهم، فسوف يخرج الاتحاد الأوروبي من هذا الأزمة أكثر قوة. أما إذا لم يحدث ذلك، فسوف ينهار بشكل أسرع مما يتصور القادة والمواطنون حاليا.

بقعة المتاعب التالية هي إيطاليا، التي تواجه أزمة مصرفية واستفتاء في أكتوبر/تشرين الأول. ويواجه رئيس الوزراء ماتيو رينزي موقفا بالغ الصعوبة: فإذا لم يتمكن من حل الأزمة المصرفية في الوقت المناسب، فسوف يخسر الاستفتاء. وهذا من شأنه أن يدفع إلى السلطة بحركة النجوم الخمسة، شريكة حزب استقلال المملكة المتحدة المؤيد لخروج بريطانيا في البرلمان الأوروبي. ولإيجاد الحل، يحتاج رينزي إلى المساعدة من قِبَل السلطات الأوروبية، ولكنها أيضا بطيئة للغاية وتفتقر إلى المرونة.

يتعين على زعماء أوروبا أن يدركوا أن الاتحاد الأوروبي بات على وشك الانهيار. وبدلا من تبادل اللوم، ينبغي لهم أن يتكاتفوا ويسارعوا إلى اتخاذ تدابير استثنائية.

أولا، لابد من رسم تمييز واضح بين العضوية في الاتحاد الأوروبي والعضوية في منطقة اليورو. فلا ينبغي للدول المحظوظة غير الملتحقة بعضوية منطقة اليورو أن تواجه التمييز. وإذا كانت منطقة اليورو راغبة في المزيد من التكامل الوثيق، كما ينبغي لها، فهي في احتياج إلى خزانة وميزانية خاصة بها، تعمل كسلطة مالية إلى جانب سلطتها النقدية المتمثلة في البنك المركزي الأوروبي.

ثانيا، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضع ائتمانه الممتاز وغير المستغل إلى حد كبير قيد الاستخدام. وإنه لتصرف غير مسؤول من قِبَل القادة إذا تقاعسوا عن توظيف قدرة الاتحاد الأوروبي على الاقتراض في وقت حيث تتهدد المخاطر وجوده ذاته.

ثالثا، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يعمل على تعزيز دفاعاته لحماية نفسه من أعدائه الخارجيين، الذين قد يستغلون ضَعفه الحالي. تكمن أعظم أصول الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا، التي يبدي مواطنوها الاستعداد للموت دفاعا عن بلدهم. وبدفاعهم عن أنفسهم فإنهم يدافعون أيضا عن الاتحاد الأوروبي ــ وهو أمر نادر في أوروبا في أيامنا هذه. الواقع أن أوكرانيا محظوظة بأن تكون لديها حكومة جديدة أكثر تصميما على تنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها مواطنوها ومؤيدوها في الخارج. ولكن لا يوفر الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء الدعم الذي تستحقه أوكرانيا (الولايات المتحدة أكثر دعما لها إلى حد كبير).

رابعا، تحتاج خطط الاتحاد الأوروبي في ما يتصل بالتعامل مع أزمة اللاجئين إلى مراجعة شاملة وافية. إذ تعتري هذه الخطط مفاهيم خاطئة وتناقضات تجعلها غير فعّالة. وهي تفتقر إلى التمويل بشكل يرثى له. كما تستخدم تدابير قسرية تعمل على توليد المقاومة. وقد اقترحت علاجا تفصيليا لهذه المشاكل في مكان آخر.

إذا حقق الاتحاد الأوروبي التقدم على هذه المسارات، فسوف يصبح منظمة يرغب الناس في الانتماء إليها. وعند هذه النقطة سوف يصبح تغيير المعاهدة ــ والمزيد من التكامل ــ في حكم الممكن مرة أخرى.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إذا تقاعس زعماء أوروبا عن التحرك، فإن أولئك الذين يريدون إنقاذ الاتحاد الأوروبي لابد أن يسيروا على خطى الناشطين الشباب في بريطانيا حتى يتسنى لهم إعادة اختراعه. والآن أكثر من أي وقت مضى يتعين على المدافعين عن الاتحاد الأوروبي أن يعكفوا على إيجاد السبل لجعل تأثيرهم محسوسا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali