Saudi Woman Driver MARWAN NAAMANI/AFP/Getty Images

الثورة السعودية من عل

برلين ــ بعد مرور سبع سنوات منذ أطلق الربيع العربي العنان لموجة من الحماس الثوري في معظم أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تلحق المملكة العربية السعودية الآن بالركب أخيرا، وإن كان ذلك بطريقتها الخاصة الفريدة من نوعها. فالآن يطالب جيل أكثر شبابا بتحديث المملكة المحافِظة، ولا يتولى القيادة شباب ثوري في الشوارع، بل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد والوريث الواضح للعرش، الذي يبلغ من العمر 32 عاما.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

من المنظور السكاني والجغرافي، تُعَد المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر الدول العربية، وقد جعلتها ثروتها النفطية المذهلة شريكا استراتيجيا لا غنى عنه للغرب، وخاصة الولايات المتحدة. ولكن بوصفها دولة عالقة بين العصور الوسطى الإسلامية والحداثة الغربية، لم تخل المملكة قط من تناقضات شديدة. ففي مكة والمدينة (الحرمين الشريفين)، حيث المواقع الأكثر قداسة في الإسلام، نجد أحدث مرافق البنية الأساسية ومراكز التسوق على الطراز الأميركي.

ولكن حتى يومنا هذا، تُعَد المملكة العربية السعودية موطنا لمجتمع قَبَلي مناهض للغرب، تحكمه أسرة واحدة، بيت آل سعود، كَمَلَكية مطلقة منذ تأسيس الدولة في عام 1932. وتبدو أنظمتها الأخلاقية والقانونية وكأنها تعود إلى العصور الوسطى في نظر أغلب الغرباء. وهي تتمسك بنسخة متطرفة رجعية من الإسلام تُعرَف بالوهابية، وهي العقيدة السلفية التي تحكم العديد من الجماعات الإسلامية الأكثر تطرفا اليوم.

ونظرا للانخفاض الطويل الأجل الذي شهدته أسعار النفط، والحاجة إلى توفير التعليم والوظائف لشعب شاب سريع النمو ــ وحماية أفراده من التحول إلى التطرف ــ فمن الواضح أن الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان خلصا إلى أن البلاد في احتياج إلى التحديث. ولتجنب الانحدار البطيء أو حتى التفكك في نهاية المطاف، بادرا إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتحويل السعودية إلى بلد منفتح، ليس اقتصاديا فحسب، بل وأيضا اجتماعيا وثقافيا.

في وقت سابق من هذا الشهر، أمر محمد بن سلمان ــ الذي يبدو وكأنه دَرَس النهج الذي اتبعه الرئيس الصيني شي جين بينج لتوطيد سلطته ــ بإطلاق ما وصفته الحكومة السعودية على أنه حملة تطهير ضد الفساد. وبالفعل، ألقت السلطات القبض على العشرات من الأمراء رفيعي المستوى، والوزراء السابقين، ورجال الأعمال الأثرياء من ذوي النفوذ، وجمدت حساباتهم. جاءت حملة التطهير بعد فترة ليست طويلة من الإعلان عن رفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات وحضور الأحداث الرياضية العامة. ومن الواضح أن القيادة الجديدة في المملكة العربية السعودية تعتزم تنظيم وإدارة ثورة حقيقية من الأعلى.

ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أن آخر حاكم مستبد في الشرق الأوسط حاول تجاوز رجال الدين الإسلامي في بلده والقيام بثورة من أعلى إلى أسفل كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي. ففي نهاية المطاف اكتسحت ثورة إيران الإسلامية "ثورته البيضاء" في عام 1979.

لا يملك المرء إلا أن يأمل أن يكون مصير ثورة محمد بن سلمان أفضل. ففي حال فشلها، سيبدو الملالي في إيران أشبه بالليبراليين مقارنة بالسلفيين المتطرفين الذين سيستولون على السلطة في الرياض. وإذا نجحت ثورته في تحديث المعقل الرئيسي للنسخة الرجعية من الإسلام، فستصبح الساحة ممهدة لدول أخرى في مختلف أرجاء العالَم الإسلامي للقيام بنفس الشيء.

وكجزء من هذه الأجندة، أطلق محمد بن سلمان أيضا سياسة خارجية جديدة، وخاصة في التعامل مع إيران. الواقع أن أنصار التحديث المحيطين بالأمير محمد بن سلمان يعرفون أن نجاح الثورة يتطلب كسر شوكة الوهابية بإحلال القومية السعودية محلها. ولتحقيق هذه الغاية فإنهم يحتاجون إلى عدو مُقنِع: وهنا تشكل إيران الشيعية، التي تتنافس معها المملكة على الهيمنة الإقليمية، الوجه المغاير المثالي.

تساعد هذه الاعتبارات المحلية في تفسير لماذا اختارت المملكة العربية السعودية إلقاء القفاز وتصعيد التوترات مع إيران في الأشهر الأخيرة. بطبيعة الحال، من منظور السعوديين، كان إلقاء القفاز من جانبهم ردا على التحدي الذي تفرضه إيران بالتدخل في العراق، وسوريا، ولبنان، والبحرين، وقطر، واليمن، ودول أخرى.

حتى الآن، كانت المعركة حول الهيمنة الإقليمية بين المملكة العربية السعودية وإيران تقتصر على حروب الوكالة في سوريا واليمن، مع عواقب إنسانية كارثية. ولا يبدو أن أيا من الجانبين راغب في صراع عسكري مباشر. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد هذه النتيجة، نظرا للتطورات الأخيرة. وفي الشرق الأوسط، ربما تتحول حرب باردة إلى حرب ساخنة بسرعة بالغة.

في الأمد البعيد، سوف تشكل المنافسة السعودية الإيرانية هيئة الشرق الأوسط على نفس النحو الذي كان عليه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ذات يوم. ولنتأمل هنا على سبيل المثال الواقعة التي حدثت قبل ساعات من إطلاق الأمير محمد بن سلمان حملة التطهير ضد الفساد: فأثناء زيارة قام بها إلى المملكة العربية السعودية، أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من منصبه. ووفقا للحريري، فإن الجماعة الشيعية المسلحة الموالية لإيران والحزب السياسي المسمى حزب الله، الذي تقيم معه حكومته علاقة تستند إلى تقاسم السلطة، حعل حكم لبنان أمرا مستحيلا، وربما يخطط لقتله.

غير أن الحريري، الذي اغتيل والده رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في عام 2005، أثار من التساؤلات أكثر مما قدمه من إجابات. فلماذا يترك منصبه الآن؟ هل يعمل تحت ضغوط سعودية، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الغاية؟

بعد فترة وجيزة من إعلان الحريري، اعترضت السعودية صاروخا أطلقه المتمردون الحوثيون في اليمن باتجاه الرياض. ووفقا للملكة العربية السعودية، لأن الحوثيين مدعومون من إيران، فإن محاولتهم استهداف الرياض بغارة صاروخية كانت بمثابة "عمل من أعمال الحرب" من قِبَل إيران.

من غير الممكن أن تكون هذه الفورة من التطورات غير العادية في مثل هذه الفترة القصيرة مصادفة. والسؤال الآن هو ما إذا كانت الحرب الأهلية ستعود إلى لبنان، وما إذا كانت المملكة العربية السعودية لتحاول إشراك إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة مع حزب الله لصد إيران.

في الوقت الراهن، يفتقر السعوديون إلى القدرة على القيام بذلك بمفردهم. ففي السنوات الأخيرة، عانت المملكة العربية السعودية من هزائم كبيرة في صراعها الإقليمي من أجل الهيمنة. فقد طُرِدَت الأقلية السنية من السلطة في العراق؛ وتمكن نظام بشار الأسد المدعوم من إيران من التشبث بالسلطة في سوريا. وربما يبحث الأمير محمد بن سلمان عن سبل لتعويض هذه الهزائم، في لبنان أو أي مكان آخر.

الواقع أن ثورة المملكة العربية السعودية من الأعلى مسعى بالغ الخطورة ولابد أن تكون نظرة المراقبين المحايدين له متضاربة متأرجحة. فبرغم أن السماح لهذا المسعى بالفشل أمر غير وارد، في ضوء ما قد يترتب على فشله من كوارث، فمن المرجح أن يكون نجاحه مصحوبا بزيادة هائلة في التوترات الإقليمية واحتمال نشوب حرب.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/XWwJR4g/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now