2

بياناتك الشخصية أو حياتك

لندن ــ تقوم ساعة أبل الجديدة بتتبع حالتك الصحية. ويعمل تطبيق "جوجل الآن" على جمع المعلومات اللازمة لحساب الوقت المثالي لمغادرتك إلى المطار. ويخبرك موقع أمازون بالكتب التي تريدها والبقالة التي تحتاج إليها والأفلام التي سوف تنال إعجابك ــ ويبيعك جهاز الكمبيوتر اللوحي الذي يمكنك من طلب هذه الأغراض وغيرها. وإذا اقتربت من بيتك تعمل الأنوار بالداخل، ويتكيف منزلك مع اختيارك لدرجة الحرارة المحيطة.

إن هذا التركيب والدمج بين خدمات رقمية وأجهزة مختلفة مصمم لجعل حياتنا أكثر سهولة، وليس هناك من شك أنه نجح في هذا بالفعل. ولكن هل توقفنا ولو للحظة لكي نطرح بعض الأسئلة الجوهرية، سواء على أنفسنا أو على الشركات التي نأتمنها على القيام بكل هذه المهام؟ هل وضعنا في الحسبان التكاليف المحتملة التي قد تترتب على كل هذه الراحة وسهولة الحياة اليومية، وسألنا أنفسنا ما إذا كان كل هذا يستحق الثمن الذي نتكبده؟

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

الواقع أننا في كل مرة نضيف إلى حياتنا جهازاً جديداً نستغني عن قطعة صغيرة من أنفسنا. ونحن نفعل هذا غالباً بقدر ضئيل للغاية من المعرفة حول من قد يحصل على هذه القطعة، ناهيك عن ما إذا كان من يحصل عليها يشاركنا نفس الأخلاقيات والقيم. ولعلنا نحظى بفهم سطحي لما تفعله الشركات التي تقدم كل سبل الراحة هذه ببياناتنا؛ ولكن الأشخاص الفعليين الذين يديرون هذه المنظمات، بعيداً عن عملية التسويق، هم بلا وجوه أو أسماء. ونحن لا نعلم إلا أقل القليل عنهم، ولكن من المؤكد أنهم يعرفون الكثير عنا.

إن مجرد التصور بأن أن الشركات التي نتعامل معها بوسعها أن تعرف أين نحن، أو ماذا كنا نشاهد، أو محتوى سجلاتنا الطبية كان ليجعلنا نشعر وكأن لعنة تطاردنا قبل جيل واحد فقط. كانت المنظومة الشاسعة من التفاصيل التي تُعَرِّف أي شخص موزعة على نطاق واسع. فالبنك يعرف جزءاً منها، والطبيب يعرف جزءاً آخر، وتعرف سلطات الضرائب جزءا آخر، ولكن كل هذه الجهات لم تكن تتواصل فيما بينها بشأن بيانات الأفراد عادة. والآن تعرف شركات مثل أبل وجوجل ك�� هذه التفاصيل وتخزنها في مكان واحد في المتناول. وهو أمر عظيم عندما نتحدث عن سبل الراحة، ولكنه ليس عظيماً إلى هذا الحد إذا قررت هذه الشركات استخدام المعلومات على نحو لا نوافق عليه مسبقا.

ولدينا من الأسباب ما يجعلنا نتشكك في الدوافع التي تحرك قرارات الشركات عندما تستخدم هذه البيانات. وكانت ردة الفعل العنيفة إزاء الأخبار عن استخدام فيس بوك لمردودات الناس على الأخبار لاختبار ما إذا كان ما يشاهدونه قد يغير حالتهم المزاجية دليلاً على هذا. وأنا لا أتذكر أنني وضعت أي علامة على مربع تفيد موافقتي على أمر كهذا. ومؤخرا، اختلس مخترقو المواقع والأنظمة صوراً مرسلة عبر سنابشات، وهي الخدمة التي تستخدم في المقام الأول من قِبَل شباب تعدهم بالحذف التلقائي لكل الملفات بمجرد المشاهدة.

وعلى نحو مماثل، كانت بيانات الرعاية الصحية تُعَد خاصة دوما، وكانت هذه السرية تجعل المرضى أكثر انفتاحاً وصراحة عندما يتحدثون مع العاملين في مجال الرعاية الصحية. ومع تداخل الخطوط بين الرعاية الصحية والتكنولوجيا، شرع بعض مصنعي "الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء" والبرامج التي تطبق عليها ففي ممارسة الضغوط لإعفاء منتجاتهم من اعتبارها أجهزة طبية ــ وبالتالي إعفائها من المتطلبات التنظيمية الخاصة بالأمانة وحماية البيانات.

الواقع أن الخصوصية مجرد جزء من مناقشة أوسع تدور حول ملكية البيانات واحتكار وأمن ومنافسة البيانات. وهي تدور أيضاً حول السيطرة والمصير. والأمر يتعلق بالاختيار واتخاذ القرار استباقياً حول الكيفية التي تستخدم بها بيانات الناس وكيف يستخدم الناس بياناتهم الخاصة.

تعمل الشركات الأكثر نضجاً على إدخال بروتوكولات رسمية تدريجيا، وتشمل ضباط الأخلاق ولجان المخاطر وغير ذلك من الهياكل التي تراقب كيفية جمع البيانات واستخدامها، وإن لم يكن ذلك بنجاح في كل الأحوال (الواقع أنها كثيراً ما تعتمد على التجربة والخطأ). وقد لا نجد لدى الشركات الصغيرة الجديدة مثل هذه البروتوكولات أو الأشخاص ــ على سبيل المثال، أعضاء مجالس الإدارات المستقلين ــ القادرين على فرضها. وفي حالة حدوث هفوات أخلاقية، فإن العديد من المستهلكين سوف يكفون عن استخدام الخدمة حتى وإن كانت نماذج العمل التي تستعين بها واعدة.

إن الناس يحبون التطبيقات الجديدة ويجربونها، فيمنحون حق الوصول إلى حساباتهم على فيس بوك أو تويتر من دون التفكير كثيراً في هجرة البيانات الخاصة بهم من الشركات الكبيرة التي تمارس قدراً متواضعاً من الرقابة إلى شركات صغيرة لا تتمتع بهياكل وحدود صارمة. ويعتقد المستهلكون أو يتوقعون أن شخصاً ما في مكان ما يسهر على أداء هذه المهمة، ولكن من يكون ذلك الشخص على وجه التحديد؟

والتشريعات الخاصة بحماية البيانات الشخصية في أوروبا ليست شاملة، ويفتقر القسم الأعظم من بقية العالم إلى الحد الأدنى من الضمانات البدائية. وبعد استكشاف هذه القضايا مع المشرعين في العديد من البلدان على مدى الشهرين الماضيين، بات من الواضح تماماً أن كثيرين ليس لديهم فهم كامل للقضايا التي لا يمكن حصرها والتي تحتاج إلى النظر والاعتبار. وهو موضوع تصعب معالجته، إذ تعمل الجهود المقاومة له والمعلومات غير الكاملة على عرقلة محاولات العلاج.

وفي هذا الأمد القصير، يتعين على الشركات الشابة أن تنظر إلى الأخلاق ليس كوسيلة للتحايل والتسويق، بل بوصفها حقاً أساسيا. وينبغي لكل المنظمات أن تستمر في ضباط الأخلاق أو شكل من أشكال عمليات المراجعة التي يقوم عليها أشخاص قادرون على تقييم كل العواقب المترتبة على أي فكرة تبدو عظيمة. ويتعين على المشرعين أن يثقفوا أنفسهم ــ وعامة الناس ــ وأن يمارسوا المزيد من الإشراف والرقابة. على سبيل المثال، كما فعلت عدة بلدان في التعامل مع قضية حزام الأمان في السيارات قبل جيل واحد، من الممكن الآن ربط حملة للسلامة العامة بتشريع يفسر ويعزز القدرة على التحقق من خلال خطوتين.

في الأمد الأبعد، ومع انتقالنا كما ينبغي لنا نحو تمكين جميع سكان العالم من الوصول إلى خدمة الإنترنت، يتعين علينا أن نسأل أنفسنا: كم من أنفسنا قد نكون على استعداد للتنازل عنه؟ وماذا قد يحدث عندما تصبح المشاركة في المعلومات إلزامية ــ عندما يكون من متطلبات الوظيفة الإفصاح عن الحساب الشخصي على الفيس بوك، وعندما تُحجَب الخدمات الصحية ما لم يقدم المريض بياناته التاريخية على تطبيق فيتبيت؟

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إذا كان هذا هو المستقبل الذي نريده، فيتعين علينا أن نسير بخطوات واسعة نحوه بوعي كامل وحس ناضج بالهدف، لا أن نتسكع بلا مبالاة إلى أن نسقط في بئر سحيقة لا فرار منها ثم نتساءل: كيف وصلنا إلى هنا؟

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali