11

ما الذي يدفع عجلة التقدم الأخلاقي؟

دافوس ــ تُرى ماذا كان ليحدث إذا اشترك الفيلسوف الإغريقي القديم أفلاطون في حوار معاصر حول ذلك النوع من الأسئلة التي كان هو أول من طرحها، والتي لا تزال تحيرنا؟ في اعتقادي أنه كان ليطرح أسئلة جديدة عديدة ــ بما في ذلك حول نهجنا المتزايد الميل إلى الجانب السيكولوجي في مناقشاتنا الفلسفية.

ولعل أفلاطون كان ليتجه إلى أحد المراكز التكنولوجية العالمية: مقر جوجل في كاليفورنيا على سبيل المثال. وهناك قد ينهمك في مناقشة مع مهندس برمجيات حول ما إذا كان من الممكن الإجابة على الأسئلة الأخلاقية من خلال التعهيد الجماعي. وربما كان ليجد في نفسه قبولاً لفكرة سحابة المعلومات ــ فهي مجردة للغاية، وأفلاطونية للغاية ــ ويرى في جوجل الأداة المثالية للّحاق بالتقدم العلمي والتقني في الألفي عام السابقة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

غير أن أفلاطون ربما كان ليذهل إزاء التقدم الأخلاقي الذي شهده العالم. فهو على أية حال كان يؤمن بأن كون المرء "فيلسوفا" يعني أنه لابد أن يتولى مسؤوليات المصلِح الأخلاقي. ولكن برغم أن الأخلاق كانت دوماً في مركز فِكره، فإن العديد من الحقائق الأخلاقية، التي نعتبرها الآن من الأمور المسَلَّم بها، لم تخطر بباله قط.

على سبيل المثال، برغم أن أفلاطون عارَض استعباد اليونانيين، فإنه ــ مثله في ذلك كمثل أي يوناني قديم آخر ــ تغاضى عن استعباد "البرابرة" (غير اليونانيين). لكن اليوم، وعلى النقيض من ذلك، سنجد أن حتى الشخص غير الفلسفي قطعا ــ ولنقل مرافق أفلاطون الإعلامي ــ يستطيع أن يشرح بسهولة لماذا تُعَد العبودية أمراً فاسداً وغير لائق: "فالشخص هو شخص. وحياة كل شخص لا تقل أهمية عن حياة أي شخص آخر".

وبرغم أن هذا الاستنتاج يبدو واضحاً للغاية، فإن العالم استغرق آلاف السنين قبل أن يتوصل إليه ــ وفي الكثير من النواحي، لم يتقبله بالكامل بعد. ولكن بوسعنا رغم ذلك أن ننظر بشكل جمعي الآن إلى ماضي أسلافنا الذين كانوا يمتلكون العبيد، ويضربون الزوجات، ويعاملون الأطفال بوحشية، ويحرقون الزنادقة، ويستعمرون الغير، فنتساءل في تعجب كيف أن حتى أكثرهم عمقاً من الناحية الأخلاقية لم ير أنه لا ينبغي له أن يتصرف على ذلك النحو. ولكن ما الذي دفع كل هذا التقدم إذن؟

كان أفلاطون يعتقد أن التقدم الأخلاقي في الأساس عملية فكرية مدفوعة بحجج متعقلة ــ وهو الموقف الذي أيده أكثر فلاسفة الأخلاق تأثيرا، من باروخ سبينوزا وإيمانويل كانط إلى جون راولز وبيتر سنجر. غير أن فلاسفة آخرين كثيرين رفضوا استبداد العقل في حياة البشر الأخلاقية، فاتفقوا مع ديفيد هيوم في تأكيده على أن "العقل في حد ذاته خامل تماما". وهم يعتقدون أن أي حجة مجردة محضة من غير الممكن أن تحملنا على القيام بأي شيء لا نرغب في القيام به.

ولكن إذا لم تكن الحجة المنطقية قادرة على تحريكنا، فما الذي قد يفعل إذن؟ هناك إجابة واحدة واضحة: المشاعر.

إن المشاعر الأخلاقية، وخاصة التقمص العاطفي، قادرة على إنجاز ما يعجز عن إنجازه أي استنتاج منطقي تعوزه الحيوية: فهي تجعلنا نشعر بتجارب الآخرين ــ وبالتالي تجعلنا راغبين في تفسيرها. وكلما تعمقت مشاعرنا كلما ازداد اهتمامنا ــ وكلما أصبحت دوافعنا أكثر أخلاقية. باختصار، يعمل تزايد قوة الشعور بالتعاطف على تحفيز التقدم الأخلاقي.

ومع هذا التحول في التركيز من المنطق إلى المشاعر، تُفسِح الفلسفة الأخلاقية الطريق للسيكولوجية الأخلاقية، والتي من خلال دمج الأفكار من البيولوجيا التطورية، يصبح لديها المزيد والمزيد مما تستطيع أن تصرح به عن الطبيعة البشرية وحياتنا الأخلاقية. فكل شيء ينتهي إلى الانتقاء الطبيعي.

إن المشاعر الأخلاقية مثل التعاطف تمثل إلى حد كبير نتيجة لطريقة عمل التكيف المستترة مثل وقفتنا المستقيمة وإبهامنا المقابل لبقية أصابعنا ــ وهي السمات التي ترسخت في النوع عبر انتشار جينات بعينها. ونحن البشر نتعاطف بأعظم قدر من القوة تجاه أولئك الذين يشتركون معنا في النسبة الأعظم من الجينات: أطفالنا، وآبائنا، وأشقائنا، وبالتدرج المتناقص أفراد عائلتنا الممتدة وقبيلتنا. والواقع أن تعاطفنا نحوهم ربما يدفعنا حتى إلى بذل تضحيات تهدد بقاءنا كأفراد، ولكن هذا منطقي تماماً من حيث الحفاظ على جيناتنا المشتركة.

بطبيعة الحال، التعاطف ليس الجزء الوحيد من طبيعتنا الموروثة التي تشكل سلوكنا تجاه الآخرين. ففي واقع الأمر، هناك أيضاً تفسير تطوري مُقنِع لكراهية الأجانب.

فقد تطور البشر من الرئيسيات التي شكلت مجتمعات كانت تعمل بشكل جماعي سعياً إلى البقاء. ونظراً للفوائد الواضحة المترتبة على القدرة على الوصول إلى المزيد من الأراضي للجمع والصيد، فإن الغرباء ــ وخاصة أولئك الذين يحملون خصائص تميزهم كأشخاص بعيدين وراثيا ــ كانوا يلقون معاملة الأعداء. وبهذا المعنى فإن مفهوم "نحن في مقابل هم" كان أساسياً لتطور الإنسان، وهو يظل يشكل تفاعلاتنا حتى الآن.

وتماماً كما يمكن تفسير التعاطف وكراهية الأجانب بالانتقاء الطبيعي، فكل من الشعورين يمكن تعديله بفِعل عوامل ثقافية. ولكن هل يمكن وصفهما بأنهما من المشاعر الأخلاقية بنفس القدر؟

أجل، هذا جائز ضمن مجال علم النفس الأخلاقي الصارم. ففي نهاية المطاف، لا يزودنا السرد السيكولوجي لقصة تطورنا الأخلاقي بأي أساس لتشجيعنا على تثبيط ميل طبيعي ما وتغذية ميل آخر.

ولكن لا ينبغي لعلم النفس الأخلاقي أن ينبئنا بالقصة كلها. فلا يوجد سبب يمنعنا من الاستعانة بعلم النفس الأخلاقي والفلسفة الأخلاقية: علم النفس الأخلاقي لتفسير لماذا كان التقدم الأخلاقي ممكناً وفي الوقت نفسه بطيئاً للغاية، والفلسفة الأخلاقية لتوضيح ما يشكل تقدماً أخلاقيا، كما تعمل كوسيلة لدفعنا في الاتجاه المناسب.

نحن كائنات بشرية مفكرة متأملة، ولا ينبغي لجيناتنا أن تتحكم في مصائرنا. ولا ينبغي لنا أن نسمح للقوة التفسيرية التي تتمتع بها العلوم السلوكية بإيقاعنا أسرى لها إلى الحد الذي يجعلنا نخضع لاعتقاد مفاده أن التقدم الأخلاقي مقدر سلفا.

Fake news or real views

إن علم النفس ينبئنا بقصة متضائلة تستبعد تقدمنا الأخلاقي في الماضي والعمل الجدلي الشاق اللازم لتمديد هذا التقدم إلى المستقبل. الحق أن أفلاطون كان ليرفض هذا الرأي. ولهذا، ينبغي لنا أن نرفضه نحن أيضا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali