0

تحميل المؤسسات الخيرية المسئولية

إذا ما افترضنا أنك مهتم ومنزعج بشأن الأطفال الأفارقة الذين يموتون بسبب أمراض يمكن منعها. فربما ترغب في التبرع بالمال لمؤسسة خيرية تعمل على تقليص معدلات الوفاة بين هؤلاء الأطفال. ولكن هناك العديد من المؤسسات الخيرية التي تقوم بهذه المهمة بالفعل. فكيف لك أن تختار؟

السؤال الأول الذي يطرحه العديد من الناس بشأن المؤسسات الخيرية هو: "ما هو القدر الذي ينفق من أموالي على الأمور الإدارية؟" في الولايات المتحدة أصبحت مثل هذه الأرقام متاحة على موقع Charity Navigator على شبكة الإنترنت، والذي يستخدمه أكثر من خمسة ملايين مستخدم. إلا أن المعلومات تستقى من الاستمارات التي تعبئها المؤسسات الخيرية ذاتها ثم ترسلها إلى السلطات الضريبية. ولا أحد يراجع هذه الاستمارات، والحصص المخصصة للإدارة وتكاليف البرنامج يمكن التلاعب بها بسهولة بقليل من الأساليب الحسابية البارعة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

والأسوأ من ذلك أن تلك الأرقام، حتى ولو كانت دقيقة، لا تنبئنا بشيء عن تأثير أعمال الخير على أرض الواقع. والحقيقة أن الضغوط الرامية إلى تخفيض النفقات الإدارية قد يؤدي إلى تقليل فعالية المنظمات الخيرية. على سبيل المثال، إذا ما لجأت إحدى الوكالات العاملة على تقليص الفقر في أفريقيا إلى تخفيض عدد العاملين بها من ذوي الخبرة، فمن المرجح أن ينتهي بها الحال إلى تمويل مشاريع مصيرها الفشل في النهاية. وقد تعجز حتى عن تحديد المشاريع التي صادفها الفشل، وذلك لأن تقييم هذه المشاريع، والتعليم من الأخطاء، يتطلب وجود هيئة عاملين من الخبراء ـ وهذا يضيف إلى التكاليف الإدارية.

في العام 2006 واجه هولدن كارنوفسكي و إيلي هاسنفيلد تلك الحيرة بشأن أي المؤسسات الخيرية تستطيع أن تحقق أقصى فائدة من أموالهما. وكانا في منتصف العشرينات من العمر، ويكسب كل منهما دخلاً كبيراً نسبياً حيث يعملان في إحدى الشركات الاستثمارية، وكانا يفكران في التبرع ببعض أموالهما للمساعدة في تحويل العالم إلى مكان أفضل. وباعتبارهما من المستشارين في مجال الاستثمار، فما كانا لينصحا بالاستثمار في شركة دون الحصول على المعلومات التفصيلية بشأن مدى نجاح تلك الشركة في تحقيق أهدافها. وعلى هذا فقد كانا حريصين على سلوك نفس المنهج في اختيار المؤسسات الخيرية التي سيتبرعان لها.

اجتمع ك ارنوفسكي و هاسنفيلد بستة من أصدقائهما الذين يعملون أيضاً في مجال الاستثمار المالي، فقسموا الميدان بين أنفسهم للبحث عن المؤسسات الخيرية القادرة على إثبات فعاليتها. اتصل الاثنان، بالاستعانة بمجموعتهما، بالمنظمات الخيرية، فوصلتها العديد من المواد التسويقية الجذابة، إلا أنهما لم يجدا ما يجيب على تساؤلات أساسية: ماذا ستفعل ال��ؤسسات الخيرية بأموالهما، وما الأدلة التي تستطيع أن تقدمها هذه المؤسسات لإثبات نجاح أنشطتها في مساعدة الناس؟ ولكنهما في النهاية توصلا إلى شيء بدا لهما في غاية الغرابة: ألا وهو أن مثل تلك المعلومات لم تكن متوفرة بأي شكل من الأشكال.

زعمت بعض المؤسسات أن المعلومات الخاصة بمدى كفاءة الأعمال التي تقوم بها سرية. وعلى هذا فقد استنتج كارنوفسكي و هاسنفيلد أن هذا السبيل ليس بالسبيل الصحيح للقيام بعمل الخير. فما هي الضرورة التي تفرض سرية المعلومات بشأن كيفية مساعدة الناس؟ وكان عدم استعداد المؤسسات الخيرية للإجابة على مثل هذه التساؤلات فيه الإشارة الكافية إلى أن المتبرعين والمؤسسات يتبرعون بأموالهم على نحو متهور، ودون الحصول على المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات السليمة بشأن من يستحق الدعم.

الآن أصبح لدى كارنوفسكي و هاسنفيلد هدف جديد: وهو يتلخص في جمع مثل هذه المعلومات ونشرها. وعلى هذا فقد اشتركا في تأسيس منظمة أطلقا عليها اسم GiveWell ، تهدف إلى مساعدة المتبرعين في الحصول على المعلومات دون الحاجة إلى تكبد كل العناء الذي تكبداه.

ولكن سرعان ما تبين لهما أن هذه المهمة تتطلب أكثر من مجرد العمل التطوعي بدوام جزئي، وفي العام التالي، وبعد جمع حوالي ثلاثمائة ألف دولار من زملائهما، ترك كارنوفسكي و هاسنفيلد وظيفتيهما وشرعا في العمل بدوام كامل في مؤسسة GiveWell ، والهيئة التابعة لها والمختصة بتقرير منح الهبات والتبرعات، والتي أطلقا عليها اسم The Clear Fund . ولقد وجها الدعوة إلى المؤسسات الخيرية للتقدم بطلب منح تصل إلى 25 ألف دولار أميركي للعمل في خمسة مجالات إنسانية عريضة، واشترطا على المتقدمين بطلباتهم أن يقدموا المعلومات التفصيلية التي كانا يسعيان منذ البداية إلى الحصول عليها. وبهذه الطريقة فإن القدر الأعظم من الأموال التي نجحوا في جمعها سوف يذهب إلى أكثر المؤسسات الخيرية كفاءة في كل من تلك المجالات الخمسة، هذا فضلاً عن تشجيع الشفافية والتقييم الدقيق في نفس الوقت.

الآن أصبح التقرير الأول حول المنظمات الأكثر كفاءة وفعالية في إنقاذ الأرواح في أفريقيا متاحاً على الموقع الخاص بمؤسسة GiveWell على شبكة الإنترنت: www.givewell.net . ولقد جاءت مؤسسة خدمات السكان الدولية ( Population Services International )، التي تبيع وتروج لأغراض مثل الواقيات الذكرية لمنع الإصابة بعدوى مرض الإيدز وشبكات الأسِرة لمنع الإصابة بالملاريا، على رأس قائمة أكثر المؤسسات الأكثر كفاءة في توظيف أموالها في أعمال الخير، وتلتها مؤسسة Partners in Health ، وهي المنظمة التي تقدم الرعاية الصحية للفقراء من سكان الريف. أما المنظمة الثالثة فكانت Interplast ، والتي تركز بشكل أكثر كثافة على تقويم التشوهات الخلقية مثل سقف الحلق المشقوق.

إن تقييم أعمال الخير قيد يكون أكثر صعوبة من اتخاذ قرارات الاستثمار. فالمستثمرون يهتمون بالعائدات المادية، لذا فهم لا يجدون مشكلة في قياس قيم واضحة ـ فالأمر يتعلق في النهاية بالمكسب المالي وحده. وإنه لمن الصعوبة بمكان أن نقارن بين تخفيف معاناة الناس عن طريق تقويم تشوهات الوجه وبين إنقاذ الحياة. فالأمر لا يشتمل على وحدة قيمة متفق عليها.

Fake news or real views Learn More

ومن ناحية أخرى، فإن تقييم أعمال الخير يستغرق وقتاً طويلاً، وقد يكون مكلفاً، وربما لهذا السبب امتنعت العديد من المنظمات، بما في ذلك بعض أشهر منظمات مكافحة الفقر العاملة في أفريقيا، عن الاستجابة حين طالبتها مؤسسة GiveWell بالمعلومات. ومن المؤكد أنهم رأوا أن الحصول على منحة تقدر بخمسة وعشرين ألف دولار لا يستحق العناء. ولكن إذا ما بدأ المتبرعون والمانحون في اتباع توصيات مؤسسة GiveWell ، فربما يدركون أن ارتفاع ترتيبهم على قائمة GiveWell أكبر قيمة من المنحة في حد ذاتها.

هذا هو ما يجعل من إمكانيات GiveWell إمكانيات ثورية. ففي الولايات المتحدة يقدم المتبرعون الأفراد حوالي مائتي مليار دولار أميركي في كل عام. ولا أحد يدري ما مدى فعالية ذلك المبلغ الضخم في تحقيق الأهداف التي يعتزمها المتبرعون من دعمهم. وبإعطاء مؤسسات العمل الخيري الحافز لكي تصبح أكثر شفافية وأكثر تركيزاً على العمل بصورة يمكن إثبات فعاليتها فقد يصبح بوسع مؤسسة GiveWell أن تعظم من قدرة تبرعاتنا وهباتنا على تحقيق أعظم قدر من النفع.