7

أجندة للفاعلية المالية العالمية

لندن ــ يلوح على تقويم هذا الشهر حدثان مهمان: الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني، وبيان الخريف الأول لوزير الخزانة البريطاني فيليب هاموند في الثالث والعشرين من نوفمبر. من الواضح أن الحدث الأخير لن يكون على نفس القدر من أهمية وجسامة الحدث الأول، ولكنه سيخلف رغم ذلك عواقب بالغة الأهمية خارج حدود المملكة المتحدة.

حتى الآن هذا العام، كان لزاما على الاقتصاد أن يتنافس مع قضايا أكثر عاطفية، مثل الهجمات الشخصية في الانتخابات الأميركية، والقرار الذي اتخذه الناخبون في المملكة المتحدة بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ولكن في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ــ وليس هناك فقط ــ بوسعنا أن نتوقع أن نسمع المزيد عن سياسات مالية نشطة، وخاصة فيما يتصل بالبنية الأساسية.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في بيان صدر عقب قمة مجموعة العشرين في سبتمبر/أيلول، تحدث زعماء المجموعة مرارا وتكرارا عن خطوات لازمة لتعزيز النمو العالمي من خلال الاستثمار في البنية الأساسية، وساقوا الحجج لصالح المزيد من التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والبنيوية. وبرغم أن البيانات الحديثة القادمة من الولايات المتحدة والصين ــ والغريب، القادمة من منطقة اليورو والمملكة المتحدة أيضا ــ تشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع قد يتحسن عن الأداء البطيء في وقت سابق من العام، فتظل هناك حجة قوية لصالح سياسات جديدة تستهدف تعزيز الاقتصاد العالمي.

بعد أن توليت مؤخرا رئاسة فريق مراجعة مقاومة مضادات الميكروبات في المملكة المتحدة، وبعد التفكير طويلا ومليا حول المبادرات التعليمية، أعتقد أن الوقت حان لاستجابة أكثر ميلا إلى المغامرة في مواجهة التحديات الطويلة الأجل والتحديات الدورية، وخاصة بالنسبة للدول النامية. وبعد قراءة تعليق جيفري ساكس الحديث بعنوان "الحجة لصالح الاستثمار المستدام"، ازددت اقتناعا بأن صناع السياسات ومؤسسات تمويل التنمية لديها فرصة هائلة.

لا ينبغي للفاعلية المالية أن تتوقف عند البنية الأساسية. ففي مراجعة مقاومة مضادات الميكروبات، أثبتنا أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد يعاني خسارة تبلغ نحو 100 تريليون دولار أميركي على مدار السنوات الأربع والثلاثين المقبلة إذا لم نحرص على تنفيذ تدخلات معينة في مجال الصحة العامة بين وقتنا هذا وعام 2050. وسوف تتكلف هذه التدخلات نحو 40 مليار دولار أميركي على مدى عشر سنوات، وهذا يعني أن الاستثمار اللازم لمنع خسارة 100 تريليون دولار من النمو المفقود يتكلف أقل من 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي الحالي. وكما أشار أحد أصدقائي من المستثمرين المخضرمين، فإن هذا يعادل عائدا يبلغ 2500%.

ويشكل الاستثمار في الصحة والتعليم أهمية بالغة لآفاق العالم النامي في الأمد البعيد. وباعتباري شخصا وثيق الصِلة ببلدان مجموعة البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا)، يبدو من الواضح في اعتقادي أن بنك التنمية الجديد ــ أو بنك تنمية البريكس، كما كان يُعرَف سابقا ــ من الممكن أن يساعد هذه الاقتصادات وغيرها من الاقتصادات الناشئة على التعاون في مجالي الصحة والتعليم.

انتهى تقرير مراجعة مقاومة مضادات الميكروبات إلى أن 10 ملايين وفاة سوف تُعزى سنويا إلى أشكال من العدوى مقاومة للعقاقير بحلول عام 2050، وأن السلالات المقاومة للعقاقير من مرض السل قد تكون سببا وراء ربع هذه الوفيات. ويبدو من المعقول أن يُعلِن بنك التنمية الجديد عن خطوات تستهدف دعم الأبحاث الصيدلانية في إنتاج علاجات ولقاحات جديدة لمرض السل، وخاصة للسلالات المقاومة للعقاقير، نظرا لانتشار السل بشكل خاص في دول مجموعة البريكس. وخارج حدود دول مجموعة البريكس، سوف تعاني الدول الأخرى المنخفضة الدخل التي يحاول بنك التنمية الجديد مساعدتها بشكل أكبر إذا لم تتبع نهجا استباقيا.

على نحو مماثل، يفتقر العديد من الناس في دول مجموعة البريكس والدول المنخفضة الدخل إلى القدرة على الوصول إلى التعليم الأساسي الجيد، وبالتالي فإن الحجة لصالح تعزيز الإنفاق بشكل كبير في هذا المجال لابد أن تكون واضحة. ويتحدث ساكس عن نفس النقط، كما دعا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جوردون براون، الذي يشغل الآن منصب مبعوث الأمم المتحدة الخاص لشؤون التعليم العالمي، إلى ابتكار أساليب تمويل أكثر إبداعا والاستعانة بالمشاريع الاجتماعية في هذا القطاع.

ينبغي لبنك التنمية الجديد، والبنك الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية، أن تضع في اعتبارها جميعا مسار السياسة المالية النشطة الذي ترسمه الدول المتقدمة الآن لأنفسها. وينبغي لهذه المؤسسات أن تقطع شوطا أبعد من ذلك، لأن الحتميات السياسية التي تواجهها مترابطة جميعا في نهاية المطاف.

وفي الغرب، يعكس التحول نحو الفاعلية المالية إدراكا واسع النطاق لحقيقة مفادها أن الفاعلية النقدية تجاوزت مدة صلاحيتها، على الأقل عند الهامش. ومن المؤكد أن البنوك المركزية يتعين عليها من الناحية الفنية أن تفعل كل ما يلزم لتلبية أهداف التضخم؛ ولكن التيسير الكمي المفرط فَرَض تكاليف مرتفعة، ويبدو أنه يحابي القِلة على حساب كثيرين.

ومع تجاوز الفاعلية النقدية لتاريخ الصلاحية، تصبح السياسة المالية النشطة التي تشمل زيادة الإنفاق على البنية الأساسية أحد الخيارات الوحيدة المتبقية. ولكن لا شيء بالمجان، كما يقترح العديد من المروجين للسياسة المالية، لأن صناع السياسات لا يمكنهم تجاهل المستويات العالية من الديون الحكومية في قسم كبير من العالَم المتقدم.

سوف يكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف يُبحِر هاموند على المسار نحو زيادة الإنفاق على البنية الأساسية، في حين يتمسك في الوقت نفسه ببرنامج حزب المحافظين بشأن المسؤولية المالية. وفي الولايات المتحدة، إذا نظرنا إلى ما وراء الضباب المحيط بخِزي موسم الانتخابات، فيبدو أن الطرفين يؤيدان زيادة الإنفاق على البنية الأساسية.

على هذه الخلفية، ينبغي للإدارة الأميركية الجديدة (بصرف النظر عن هوية الفائز)، جنبا إلى جنب مع القيادة الجديدة في المملكة المتحدة والتي تناضل في محاولة لإظهار "الانفتاح" في مرحلة ما بعد الخروج البريطاني، أن تعمل على تمديد الفاعلية المالية لكي تشمل ما هو أبعد من البنية الأساسية المحلية إلى التنمية العالمية بشكل أكثر عموما. على سبيل المثال، في ظل الدعم المناسب، يستطيع البنك الدولي أن ينشئ أدوات استثمارية جديدة مثل سندات التعليم العالمية، والتي من شأنها أن تدعم التنمية في المستقبل وأن تنقذ النمو العالمي الذي كان ليُهدَر في المستقبل خلافا لذلك.

Fake news or real views Learn More

يتعين على كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن تثبت قدرتها على تجاوز القضايا السياسية الداخلية الشديدة الحساسية ــ والتي تتسم بضيق الأفق بصراحة. وينبغي لكل من الدولتين أن تتذكر أن غياب أسواق التصدير المتمثلة في دول مجموعة البريكس وغيرها من الدول الناشئة، يعني أن كل محاولات إعادة التوازن إلى اقتصادها تُصبح عَبَثية عقيمة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel