Tax reform protest Saul Loeb/Getty Images

أميركا ونظامها المعطل

بيركلي ــ إن مشروع قانون الضرائب الذي دفع به الجمهوريون في الولايات المتحدة عبر الكونجرس ليس شأنا عظيم الأهمية كما يصوره كثيرون. بل هو خبر من الحجم المتوسط. أما النبأ الأكبر ــ الخبر الأكثر ثِقَلا وشؤما ــ فيكمن في مكان آخر.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

الأحداث المتوسطة الحجم ليست عديمة الأهمية بطبيعة الحال. فإذا تمكن مشروع الضرائب من اجتياز العقبة الأخيرة أمامه ــ لجنة المؤتمر التي يجب أن تنعقد للتوفيق بين مشروع القانون الحاصل على موافقة مجلس الشيوخ مع ذلك الذي ينظره مجلس النواب ــ والتحول إلى قانون، فسوف يعمل على تعقيد النظام الضريبي إلى حد كبير، لأنه يفتح العديد من الثغرات. ولن يخلف أي تأثير على النمو الاقتصادي ــ بالإيجاب أو السلب ــ ولكنه كفيل بالتأثير على الموارد المالية للحكومة، إلى الحد الذي يؤدي إلى انخفاض الإيرادات بما يعادل نحو 1% من الدخل الوطني.

وسوف تُحّوَّل الموارد المفقودة في الأرجح إلى أعلى 1% دخلا بين السكان، لكي ترتفع حصتهم في إجمال الدخل من 22% إلى 23%. ومن المرجح أن يعود المكسب الأكبر على أعلى 0.01% دخلا، مع ارتفاع حصتهم في الدخل من 5.1% إلى 5.5%. من هذا المنظور، تمثل الخطة الضريبية لبنة أخرى ــ وهي ليست لبنة ضخمة، ولكنها لبنة متوسطة الحجم ــ في قلعة البلوتوقراطية (طبقة الأثرياء الحاكمة) الأميركية المنيعة.

لكن مشروع القانون قد لا يتحول إلى قانون أبدا. ولنتذكر هنا الجهود التي بذلها الجمهوريون في وقت سابق من هذا العام لإلغاء وإحلال قانون الرعاية الميسرة ("أوباما كير") ــ وهي المحاولة التي يبدو من الواضح الآن أنها كانت مجرد تمثيلية ذكورية سخيفة.

فلم يكن الجمهوريون راغبين حقا في تحمل المسؤولية عن تغيير نظام تمويل الرعاية الصحية، ناهيك عن تجريد جماهيرهم الانتخابية من الرعاية الصحية. ولكن الذراع الدعائية للحزب عملت جاهدة لإقناع قاعدته الانتخابية بأن قانون الرعاية الميسرة كان يمثل خطرا واضحا وداهما للدولة التي اضطر قادتها إلى التصرف وكأنهم يبذلون جهدا جادا للوفاء بوعدهم بإلغائه وإحلاله.

وعلى هذا فقد صوت أغلبية الجمهوريين في مجلس النواب لصالح مشروع القانون، وهم يتوقعون بقدر معقول من الثقة أنه سيحجب في مجلس الشيوخ الذي يتألف من 100 عضو، حيث كان أقل من أربعين من الأعضاء الجمهوريين الاثنين والخمسين راغبين حقا في إقراره. وحتى لو اختلف اختيار أي من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الثلاثة الذي صوتوا ضد مشروع القانون ــ جون ماكين من أريزونا، وسوزان كولينز من ماين، وليزا موركوسكي من ألاسكا ــ فربما كان خمسة آخرون ليتقدموا لرفضه وبالتالي منع إقراره.

وربما يحدث الشيء نفسه مع الإصلاح الضريبي. فهو يعتمد على جدية ثلاثة على الأقل من الجمهوريين العشرة الذين أثاروا اعتراضات حادة على مشروع القانون، أو كون الأمر برمته مجرد تمثيلية سخيفة أخرى مختلفة: بمعني أنهم يسعون إلى خداع ناخبيهم وجعلهم يعتقدون أنهم بذلوا قدرا عظيما من الجهد لمحاولة مساعدتهم، وأنهم ليسوا دُمى يحركها زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل.

ولكن، بصرف النظر عن نجاح مشروع القانون الضريبي في اجتياز عقبة عملية التوفيق والتحول إلى قانون أو فشله في ذلك، فإن النبأ الأكبر لن يتغير: فقد أصبح النموذج الأنجلوسكسوني للحكومة التمثيلية في مواجهة ورطة خطيرة. ولا يوجد أي حل في الأفق لهذه الورطة.

على مدار ما يقرب من 400 عام، كان نموذج الحكم الأنجلوسكسوني ــ الذي تجسد في شِبه الإمارة الجمهورية في هولندا، والنظام الملكي الدستوري في المملكة المتحدة، والجمهورية الدستورية في الولايات المتحدة الأميركية ــ يُنظَر إليه على نطاق واسع باعتباره الوسيلة المثلى لضمان الحرية والأمن والرخاء. وبدا الأمر وكأن التجربة التاريخية تؤكد أنه كلما كان التباعد عن ذلك النموذج أكبر كلما ارتفعت احتمالات القمع وانعدام الأمن والفقر. ولهذا، كانت الدول تُنصَح بشكل متكرر وبقوة بمحاكاة هذه المؤسسات.

اليوم، لا يجرؤ أحد على تقديم نفس النصيحة. فبعد أن دفع القادة المحافظون والليبراليون المملكة المتحدة إلى التقشف المدمر بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، يقودها المحافظون الآن إلى الخروج الفوضوي المدمر من الاتحاد الأوروبي. وفي الولايات المتحدة، كان انتخاب الرئيس دونالد ترمب نذيرا بقدوم عصر من "الحقائق البديلة" و"الحكم من خلال التغريدات"، تحت إشراف زعيم غريب الأطوار وجاهل ويبدو من الواضح أن المنصب أعظم كثيرا من قدراته.

عندما انتُخِب ترمب، زعم بعض المراقبين في مستهل الأمر أن انتخابه ليس كارثة بالضرورة. فكما أشار المتفائلون، كان الرئيس رونالد ريجان "رئيس دولة" أكثر من كونه "رئيسا تنفيذيا للولايات المتحدة"، وكانت هذه حال جورج دبليو بوش أيضا.

ووفقا لهذا الرأي، فبقدر ما قد يكون ترمب مسببا للانقسامات كرئيس دولة، فإنه لن يتمكن من إخراج السياسة عن مسارها، لأن انتخاب رئيس جمهوري أشبه بانتخاب مؤسسة الحزب الجمهوري. وكانت هذه المنصة عميقة ومقتدرة للغاية، على الرغم من ضعفها في السنوات الأخيرة.

ولكن تبين أن المتفائلين كانوا على خطأ. فبعد ما يقرب من عام كامل من السيطرة على كل من مجلسي الكونجرس والبيت الأبيض، لم يحقق الجمهوريون أيا من أهدافهم السياسية الأربعة: إلغاء وإحلال قانون أوباما كير، أو تطوير البنية الأساسية، أو إصلاح السياسة التجارية، أو حتى الإصلاح الضريبي. ويشير هذا إلى نظام معطل للسياسة والحكم، نظام يبدو أن الأميركيين ليس لديهم أدنى فكرة عن كيفية إصلاحه.

وتظل الولايات المتحدة القوة العظمى المتفوقة في العالَم. ولكن الشكوك تزداد حدة حول ما إذا كانت لا تزال على قدر المهمة. وفي هذا السياق، نستطيع أن نجزم بأن الإصلاح الضريبي الجمهوري، على الرغم من تعذر الدفاع عنه اقتصاديا والظلم السافر المترتب عليه، ليس على الإطلاق الهم الأكبر الذي يقض مضاجع أميركا.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/F4oRFkh/ar;

Handpicked to read next