6

ترامب والنظام النقدي الدولي

هونج كونج ــ من الصعب أن نعرف على وجه الدقة ماذا قد يفعل رئيس الولايات المتحدة المنتخب دونالد ترامب عندما يتولى منصبه رسميا في يناير/كانون الثاني. ولكن الأمر الوحيد المؤكد هو أنه سيسعى إلى خفض الضرائب وزيادة الإنفاق على البنية الأساسية. وتتوقع الأسواق المالية نتيجة لهذا نموا أسرع في الولايات المتحدة ــ وهو التصور الذي ساعد في تعزيز سعر صرف الدولار في مقابل أغلب العملات بما في ذلك الرنمينبي، فضلا عن استحثاث هروب رؤوس الأموال من الاقتصادات الناشئة.

على الرغم من تعهد ترامب بفرض رسوم جمركية على الصين، فإن انبعاث الدولار من شأنه أن يلحق الضرر بالقدرة التنافسية التجارية للولايات المتحدة. ومع ذلك فإن الدولار، وفقا لصندوق النقد الدولي، كان بالفعل مقوما بأعلى من قيمته الحقيقية بنحو 10% إلى 20% في يونيو/حزيران.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ولكن هذا ليس كل شيء. ففي حين يفترض أن تكون التجارة المحرك الأساسي لأسعار الصرف، والتي ينبغي لها أن ترتفع أو تنخفض لتصحيح اختلالات التوازن الخارجية للدول، فقد تنامت تدفقات رأس المال إلى الحد الذي أصبح معه الدور الذي تلعبه في توجيه أسعار الصرف أكبر كثيرا الآن. وفي هذا السياق، قد يؤدي تفاؤل السوق بشأن النمو في الولايات المتحدة إلى اختلالات توازن متزايدة الضخامة، بل وربما تعطيل النظام النقدي الدولي.

في عام 2010، استخدم محافظ بنك إنجلترا السابق ميرفين كنج لعبة السودوكو لتصوير اختلالات توازن المدخرات العالمية، مؤكدا على أن الأرقام في الجدول لا يمكن اختيارها بشكل مستقل. فإذا كانت كل الدول راغبة في تحقيق التشغيل الكامل للعمالة على سبيل المثال، وكانت الدول التي لديها مدخرات عالية تسعى إلى تحقيق فائض تجاري، فلن يكون بوسع الدول حيث المدخرات منخفضة أن تستهدف عجزا تجاريا أقل. وعلى هذا، كان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق بن برنانكي مُحِقا عندما اعتبر دول "الادخار الفائض" مسؤولة عن فقدان السيطرة النقدية في الولايات المتحدة ــ على الأقل في ما يتصل بالتدفقات التجارية.

العنصر المفقود في هذا التقييم هو تدفقات الاستثمار. فبوسعنا في واقع الأمر أن نملأ خانات جدول السودوكو الذي يُظهِر المخزون من صافي مطالبات الاستثمار الأجنبي من قِبَل الدول التي ليس لديها عملة احتياطية على خانات الدول التي تصدر العملات الاحتياطية، وهي في الأساس الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وكانت بعض تدفقات الاستثمار ذات الصلة ممولة من خلال ال��ئتمان الفائض في الأسواق الدولية.

في الفترة من عام 1997 إلى 2007، اتسع صافي العجز في الاستثمار في الولايات المتحدة بمقدار 0.3 تريليون دولار فقط، في حين ارتفع صافي فائض الاستثمار في الصين بمقدار 1.2 تريليون دولار، وفي اليابان بمقدار 1.1 تريليون دولار، وفي ألمانيا بمقدار 0.8 تريليون دولار. وكانت الكيانات التي شهدت عجزا كبيرا في الاستثمار منطقة اليورو باستثناء ألمانيا، حيث بلغ العجز 2.4 تريليون دولار خلال ذلك العقد، والمملكة المتحدة حيث بلغ العجز 0.5 تريليون دولار.

على مدار السنوات السبع التالية، حتى عام 2014، تدهور صافي موقف الاستثمارات في أميركا بنحو 5.7 تريليون دولار، فأنتج هذا ديونا بلغت 40.2% من الناتج المحلي الإجمالي. ولم يتغير صافي موقف الاستثمارات في منطقة اليورو باستثناء ألمانيا إلا بالكاد خلال نفس الفترة، وهو ما يرجع إلى التقشف المالي. ومن ناحية أخرى، ارتفع صافي فائض الاستثمارات في ألمانيا بنحو 0.8 تريليون دولار، وصافي فائض الاستثمارات في اليابان بنحو 1.2 تريليون دولار، وصافي فائض الاستثمارات في الصين بنحو 0.7 تريليون دولار. كما تعزز صافي موقف الاستثمارات في بقية العالم بنحو 3 تريليون دولار خلال نفس الفترة، وهو ما يرجع في الأساس إلى طفرة السلع الأساسية، التي تلاشت مع تباطؤ الصين.

يتجلى النمو السريع في إجمالي الديون الأميركية المستحقة لبقية العالم في بيانات وزارة الخزانة الأميركية بشأن الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية، والتي ارتفعت من 9.8 تريليون دولار في عام 2007 إلى 17.1 تريليون دولار بحلول يونيو/حزيران 2015، وكان نحو 10.5 تريليون دولار من هذا المبلغ في هيئة ديون ونحو 6.6 تريليون دولار في هيئة أسهم. وكانت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية تعادل 95% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في يونيو/حزيران 2015.

على هذه الخلفية، قد يتبين لنا أن السياسات التي من شأنها أن تعزز قيمة الدولار بشكل كبير مُعضِلة إلى حد كبير. فبرغم الحجج الوجيهة لصالح زيادة الاستثمار في البنية الأساسية ــ من خلق فرص العمل إلى مكاسب الإنتاجية ــ لا يجوز لنا أن نتجاهل حقيقة مفادها أن هذه الزيادة من المرجح أن تجتذب المزيد من المدخرات العالمية، فتدفع الدولار إلى المزيد من الارتفاع. وسوف تؤدي الارتفاعات المرتقبة في أسعار الفائدة من قِبَل بنك الاحتياطي الفيدرالي في التعامل مع التضخم القادم إلى تفاقم هذا الاتجاه.

ومع تزايد قوة الدولار، تنحدر قيمة حيازات الولايات المتحدة من الأصول الأجنبية قياسا على الدولار، في حين تستمر ديون البلاد في الارتفاع، نظرا لاستمرار العجز المالي وعجز الحساب الجاري (والذي يقترب الآن من 3% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا). وسوف تكون النتيجة المزيد من التدهور في صافي موقف الاستثمارات الأميركية، والذي توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 63% بالسالب من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2021.

تشير التجربة الحديثة إلى أن الدول التي يتجاوز مجموع صافي ديونها الاستثمارية 50% من الناتج المحلي الإجمالي تُصبِح عُرضة لشكل من أشكال الأزمة. ورغم أن هذا النمط قد لا يصمد بالضرورة في الدولة التي تصدر العملة الاحتياطية العالمية المهيمنة، فهناك خطر حقيقي يتمثل في انعكاس اتجاه تدفقات رأس المال.

الحقيقة هي أنه من غير المرجح أن تكون اختلالات التوازن الناجمة عن الدولار مستدامة. فقد تستمر دول العملات الاحتياطية الأخرى في السماح بانخفاض قيمة عملاتها، بهدف إنعاش اقتصاداتها، ومن المرجح أن تستمر الاقتصادات الناشئة في استخدام أسعار الصرف في التعامل مع تقلبات تدفقات رأس المال. وإذا استمر هذا فسوف تتزايد الضغوط على النظام النقدي الدولي.

وهناك بعض التدابير التي يمكن اتخاذها لتخفيف الضغوط. فخلال الأزمة الاقتصادية العالمية، عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على تخفيف صدمات السيولة العالمية عن طريق إجراء مقايضات العملات مع البنوك المركزية الكبرى الأخرى. وبوسعه اليوم أن يُجري مقايضات مماثلة، ولكن مع الدول التي تواجه تدفقات رأسمالية ضخمة إلى الخارج، فيساعد بالتالي في إبطاء ارتفاع قيمة الدولار. والسؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة في عهد ترامب راغبة في ابتكار ترتيبات لمقايضة العملات وغير ذلك من آليات التنسيق للاقتصادات الناشئة مثل روسيا والصين.

وقد يسلك ترامب طريقا آخر يتمثل في استخدام صندوق النقد الدولي كأداة من أدوات الوكالة لفرض الانضباط على الدول حيث أسعار الصرف مقومة بأقل من قيمتها. فمن الواضح أنه ينظر إلى المؤسسات الدولية في نهاية المطاف باعتبارها لا تزيد إلا قليلا عن كونها آليات لاستخراج امتيازات التجارة والاستثمار لصالح الولايات المتحدة. وقد يعرض هذا النهج الدولار والاستقرار المالي العالمي للخطر.

Fake news or real views Learn More

في وقت يتسم بالمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية البعيدة المدى، ينظر المستثمرون إلى الدولار الأميركي باعتباره ملاذا آمنا. ولكن بمرور الوقت ربما يجدون أن اتفاق بلازا الجديد ــ اتفاق عام 1985 لخفض قيمة الدولار ودفع الين الياباني والمارك الألماني إلى الارتفاع الحاد ــ قد يُصبِح ضروريا. اشترى ترامب فندق بلازا بعد ثلاث سنوات من إبرام ذلك الاتفاق، ولكنه باعه في عام 1995. وعلى هذا فربما يُسمى الاتفاق هذه المرة "اتفاق برج ترامب".

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali