0

عودة السُـل

لقد ظلت أجيال من الأطباء، والساسة، ومسئولو الصحة العامة تناضل من أجل القضاء على مرض السُـل (الدَرَن). ولكن بعد أعوام من النجاح بات السُـل في طريقه إلى العودة من جديد. في بداية الأمر أرجع الخبراء ارتفاع عدد الإصابات بالسُـل في دول العالم المتقدم منذ عام 1992 إلى الفيروس المسبب لمرض الإيدز. ولكن مع مرور الوقت برزت عوامل أخرى كانت وراء تزايد أعداد الإصابات، مثل الهجرة، ومثل ظهور سلالة جديدة من السل مقاومة للعقاقير.

ولقد وضعت منظمة الصحة العالمية إستراتيجية لمكافحة عودة السُـل. واشتملت تلك الإستراتيجية على علاج معياري يحدد العقاقير والجرعات المناسبة، علاوة على مدة العلاج. ولكن مما يدعو للأسف أن أنواع السُـل المقاومة للعلاجات المتعددة ( MDR-TB ) ـ كل نوع من السُـل مقاوم للعلاجات التقليدية مثل آيزونيازيد وريفامبيسين ـ تشكل تحدياً خطيراً: فبسبب تدني فعالية العلاج المعياري في علاج مثل هذه الأنواع من السُـل، أصبحت في تحول مستمر.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

فضلاً عن ذلك فإن أي حالة إصابة بالسُـل لا تلقى العلاج الوافي تتحول إلى إصابة بالسُـل المقاوم للعلاجات المتعددة. وعلى هذا فإن الإخفاق في العلاج إما أن يكون سبباً في تحول السُـل إلى نوع مقاوم للعلاجات أو أحد عواقب ذلك التحول. وهذا يسلط الضوء على الحاجة إلى تبني نظام حاسم لعلاج مرض السُـل اليوم، علاوة على إستراتيجية أكثر تعقيداً تهدف إلى السيطرة على المرض وعلاج أكبر عدد ممكن من الحالات، ومنع المقاومة المكتسبة للعقاقير، وتقليص احتمالات انتقال العدوى. ولقد أوصت منظمة الصحة العالمية بما أسمته "الإستراتيجية العلاجية العملية المباشرة"، كما قامت بتحديد عتبة تشخيصية لما لا يقل عن 70% من الحالات الناقلة للعدوى، وعتبة علاجية لحوالي 85% من الحالات.

ولقد قمنا بإجراء مراجعة نظامية للتقارير المنشورة بهدف التعرف على العوامل التي تتسبب في الفشل في علاج مرض السُـل في أوروبا. واشتملت هذه المراجعة على ستة وعشرين بحثاً تغطي ثلاث عشرة دولة (الاتحاد السوفييتي سابقاً، وجمهورية التشيك، وبولندا، ورومانيا في أوروبا الشرقية، والدنمرك، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وأيرلندا الشمالية، وأسبانيا، والسويد، وسويسرا في أوروبا الغربية) وذلك عن الفترة بين عامي 1988 و2001.

وفي المتوسط توصلت الدراسات إلى أن 74.4% من النتائج العلاجية كانت "ناجحة"، أي أن النسبة كانت أقل من هدف منظمة الصحة العالمية الذي حددته بـِ 85%. ولقد بلغت نسبة المرضى الذين "فشل" علاجهم 12.3%، كما توفي 6.8% المرضى الذين خضعوا للعلاج.

كان مرض السل المقاوم للعلاجات يرتبط ارتباطاً عكسياً بالمعالجات الناجحة. ولقد اكتشفنا أن التجمعات السكانية التي بلغت فيها نسبة الإصابة بمرض السُـل المقاوم للعلاجات 10%، أظهرت انخفاضاً ملحوظاً في النتائج الناجحة. ومما يثير الدهشة أننا لم نجد في هذه الدراسات أية علاقة بين نتائج علاج السُـل وبين حالة المهاجرين. وربما كان ذلك راجعاً إلى أننا جمعنا المهاجرين في فئة واحدة بصرف النظر عن الدول أو المناطق التي قدموا منها.

وتحمل هذه النتائج في طياتها المعاني الضمنية الإكلينيكية التالية والمقترحات الخاصة بالصحة العامة:

· ما دامت النتائج العلاجية الناجحة لمرض السُـل تقل عن عتبة الـ 85%، فإن الأمر يتطلب تعزيز البرامج الوطنية للسيطرة على مرض السُـل في أغلب دور أوروبا؛

· إن الأنواع المقاومة للعلاجات من السُـل تشكل العقبة الأهم أمام محاولات السيطرة على مرض السُـل في أوروبا؛

· إن تحليل حالات المهاجرين وفقاً لبلادهم الأصلية، وتوقيت الهجرة، والأفراد الذين عولجوا من هذا المرض سابقاً، من شأنه أن يساعد في التعرف على مدى المجازفة المترتبة على السُـل المقاوم للعلاجات والمرتبط بالمهاجرين؛

· لابد من إعداد التقارير بشأن الخصائص العلاجية على نحو أكثر تكراراً بهدف تحديد وتصحيح العوامل المرتبطة بالعلاج غير الوافي لمرض السُـل في أوروبا.

على الرغم من أن بعض الخصائص المرتبطة بعلاج مرض السُـل، مثل التوقف عن العلاج، تشكل مؤشرات معروفة للمقاومة المتعددة للعلاجات، إلا أن جوانب أخرى علاجية تعكس نوعية أنظمة الرعاية الصحية، مثل العقاقير المستخدمة وطول مدة العلاج، لابد من دراستها بهدف المساعدة في تحسين البرامج المخصصة للسيطرة على المرض. على سبيل المثال، توصلت إحدى الدراسات التي راجعناها إلى أن أياً من العلاجات المعيارية في المرحلة الأولية أو الثانوية من العلاج لم تكن مرتبطة بالنتائج غير الناجحة أو الوفاة. فضلاً عن ذلك فإن بعض جوانب التعامل مع المرضى برزت باعتبارها من عوامل المجازفة فيما يتصل بعدم اكستكمال العلاج، الأمر الذي يشير إلى مواجهة مرضى السُـل للمصاعب في الحصول على الخدمات الصحية.

إن الحواجز البنيوية لا تشكل المصاعب الوحيدة التي تواجه المرضى فيما يتصل بالحصول على العلاج في ظل الأنظمة الصحية الحالية. فالمرضى من المولودين على أراض أجنبية قد يتوقفون عن العلاج بسبب الافتقار إلى الثقة في التشخيص والعلاج، أو ربما يتجاهل هؤلاء المرضى الأعراض الصغرى للمرض. كما أن المرضى الذي يشعرون بتحسن بعد العلاج الأولي قد يمتنعون أيضاً عن متابعة العلاج.

يتعين علينا أن ندرس العوامل الاجتماعية الأخرى غير قضية محل الميلاد، وذلك بهدف تقييم الأسباب التي تفضي إلى مقاومة المرض للعلاجات المتعددة. ففي سويسرا ارتبط التوقف عن متابعة العلاج بطالبي الحصول على اللجوء السياسي واللاجئين. كما ارتبط التوقف عن متابعة العلاج في هامبورج بالمشردين، ومستخدمي المخدرات بالحقن في الوريد، ومدمين الكحوليات. وفي أسبانيا كان التشرد من بين العوامل التي تؤدي إلى التوقف عن متابعة العلاج، وكانت الإصابة بالفيروس المسبب للإيدز وتعاطي المخدرات عن طريق الحقن في الوريد من بين عوامل المجازفة فيما يتصل بفشل العلاج.

Fake news or real views Learn More

كما أرى شخصياً وجود علاقة بين الحاجة إلى العلاج وبين الخيارات السياسية التي تتخذها الدول. والحقيقة أن الإستراتيجية العلاجية العملية المباشرة لا يتم تنفيذها في كل الدول الأوروبية، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم الاتفاق بشأن ما إذا كان العلاج أحد الواجبات أو أحد الحقوق. ويزعم العاملون في مجال الصحة العامة أن العلاج لابد وأن يفرض على المرضى المعرضون لاحتمالات التوقف عن متابعته ـ وهي سياسة يزعم آخرون أنها تنتهك الحرية الفردية.

ما لم نعمل من أجل تعزيز الكفاح ضد مرض السُـل، فقد تجد العديد من الأنظمة الصحية في مواجهة مشكلة أقل نظرية: وتتلخص هذه المهمة في تأمين الموارد الاقتصادية والقدرات التنظيمية لضمان علاج الأعداد المتزايدة من المرضى الذين يرغبون في العلاج ويحتاجون إليه.