0

العلميون الجدد

مع استمرار العولمة وما يصحبها من ازدياد السرعة في الاتصالات والنقل وازدياد قوة التعاون الدولي بالانتشار، بدأت طبقة اجتماعية عالمية بالظهور. وبدأ مواطنو العالم هؤلاء ببناء ولاءات متبادلة عابرة لحدودهم المحلية والوطنية.

كنت في عشاء في إحدى الليالي مع عصبة من "إخوة ييل في العالم"، وهم مجموعة مختارة بعناية من المحترفين الذين يمثلون كل الدول الكبرى في العالم، ويقضون الفصل هنا. لقد كانت تجربة غير اعتيادية، لأنني بدأت أحس بان لا أحد منهم غريب علي فعلاً. لقد كان من الأسهل علي أن أتواصل معهم بسلاسة أكبر من تواصلي مع أبناء جلدتي من الندل الأمريكيين الذين يقدمون لنا الطعام.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن الطبقة العالمية ليست جديدة أبداً بالطبع. وفي الحقيقة، شرح الاجتماعي الراحل روبرت كاي ميرتون قبل خمسين سنة في كتابه "النظرية الاجتماعية والبنية الاجتماعية" نتائج بحث أجراه حول الشخصيات النافذة في مدينة أمريكية طبيعية مثل روفر في نيوجيرسي. وبصفته باحث اجتماعي، اختار ميرتون هذه المدينة الصغيرة لكي يدرس آلية انتماء الناس لبعضهم التأثيرات المتبادلة فيما بينهم، تماماً كما يدرس باحثو الأحياء الدود الصغير الذي تشكل بنيته بضعة مئات من الخلايا ليتمكنوا من دراسة طبيعة ترابط كل خلية مع المنظومة ككل.

اكتشف ميرتون نمطاً قوياً. لقد بدا نافذو روفر مقسومين بحدة إلى قسمين واضحين؛ "النافذون العالميون" الذين يمحورون أنفسهم بالتماشي مع العالم ككل، و"النافذون المحليون" الذين يمحورون أنفسهم بالتماشي مع بلدتهم التي يقطنونها. وكلما تعمق هو ومساعدوه في مقابلة الناس، ازدادت دلالات الفصل بين المجموعتين وضوحاً وإثارة للفضول في عقله.

لم يقل ميرتون بأن "النافذون العالميون" كانو نافذين خارج روفر ـ إذ ظهر بأن لا أحد منهم كان كذلك ـ وإنما كان الظاهر بأن إطار استشهادهم الاعتيادي مرتبط بهويتهم الشخصية. وكلما أشرك ميرتون الناس في محادثة ما، كانت أية مواضيع تذكر "النافذين العالميين" بنافذي العالم كله، وعلى العكس ذكرت الموضوعات نفسها "النافذين المحليين" بنافذي بلدتهم.

أشار ميرتون إلى إعزاء "النافذين العالميين" بنجاحهم إلى معارفهم العامة، بينما أعزى "النافذون المحليون" نجاحهم إلى صداقاتهم وصلاتهم. وغالباً ما أبدى "النافذون العالميون" عدم اهتمامهم بالتقاء أناس جدد من مدينتهم، بينما وعلى عكسهم تماماً كان "النافذون المحليون" حريصون على التعرف على الجميع. مال "العالميون" إلى شغل المناصب الحكومية المحلية التي تعكس خبراتهم الواسعة مثل المجلس الصحي، لجان الإسكان أو المجالس التعليمية. في الوقت الذي اتجه فيه "المحليون" إلى المناصب التي نالوها من خلال شعبيتهم المحلية مثل مفوضية الطرقات، المحافظ، عضوية الإدارة المحلية للمدينة.

بدا "النافذ العالمي" وكأنه طبيب اختصاصي بينما كان "النافذ المحلي" أشبه بطبيب العائلة. نوه ميرتون إلى ذلك باستنتاجه: "يتابع النافذون العالميون الأمور لأنهم يعرفون ، أما المحليون منهم فيتابعون لأنهم يدركون "

اكتشف ميرتون بأن النافذين المحليين يتكلمون عن بلداتهم بعاطفة جياشة وكأنها مكان فريد من نوعه، وغالباً ما يصرحون بأنهم لن يغادروها أبداً. ويتكلم العالميون وكأنهم سيغادرون في أي لحظة.

ما كان صحيحاً في أيام ��يرتون يبدو أكثر واقعية ووضوحاً في اقتصاديات العولمة في يومنا هذا. إن الإحساس بالولاء المتبادل بين العالميين اليوم هو أكثر الأمور إثارة لدهشتي.

بعد انتهاء عشائنا استمعت لصديق الأخوة الناميبي وهو يحدثني بإنكليزية صحيحة مرتاحة عن البيوت الجميلة المخصصة للعطلات في بلده التي يمكن أن أجدها ـ لا بل وأشتريها ـ هناك. أحسست بإمكانية بناء علاقة معه يمكن أن تتعارض مع مصالح أبناء جلدته في ناميبيا. كان بإمكاني أن أتصور القيام بذلك الأمر وبأن نصبح حليفين طبيعيين إذا فسحت المجال لذلك.

سألت نفسي لماذا يحدث هذا الأمر الآن بهذا الاتساع. من الواضح بأن تقنيات الاتصال المحسنة تلعب في يومنا هذا دوراً أساسياً. ولكن إلى أي حد تفسر هذه الحقيقة الانطباع القائل بازدياد الشرخ الفاصل بين المحليين والعالميين اليوم؟

لا بد أن يتذكر المرء بأن الفرد هو من يختار أن يلعب دور العالمي أو المحلي، وهو من يختار طبيعة استثماره في هذا الدور. يقوم الناس بخيارات واعية يقررون فيها أن يصبحوا عالميين أو محليين بالاعتماد على مهاراتهم الخاصة وما يتوقعونه من نتائج عائدة إلى طبيعة ما يتخذونه من خيارات.

يخلق عالم المعلومات الجديد في القرن الواحد والعشرين فرصاً لا لأن نكون عالميين في الروح وحسب بل لأن نبني صلات قوية مع غيرنا من العالميين. يتبادل العالميون الخبرات؛ فهم يتواصلون بشكل مباشر عبر المعمورة. وكثير منهم يتكلم الإنكليزية، وهي اللغة المشتركة الجديدة.

تم إشهار مصطلح "القرية العالمية" في أواخر الستينات على لسان مدير الاتصالات الكندي مارشال ماكلوهان في ردة فعل واضحة على الاتصالات التي كانت قوية في الأصل في ذلك الوقت. لم يستطع ماكلوهان إدراك الطبقة العالمية، لأنه كان من المستحيل عليه أن يحيط أو أن يتوقع الفورة المذهلة في التواصل الإعلامي الشخصي المباشر عبر القارات في يومنا هذا والذي سمح لعالميي اليوم ببناء صداقات فعلية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

يزداد العالميون ثراءً يوماً بعد يوم، ويساعد ثراؤهم على تعزيز صورتهم كعالميين. وبالتالي، يصبح الإحساس بعدم التساوي الاقتصادي مختلفاً في عالم اليوم. وربما كان على العالم ازدراده على مضض، لكون طبقة العالميين بالغة الهلامية وصعبة التحديد بحيث لا يسمح بأن تصبح هدفاً متاحاً لأي حركة اجتماعية. ليس هناك من ناطق أو جمعية باسم الطبقة العالمية يمكن لومها على ما يحدث.

إن أكثر ما يخيفني في المستقبل هو كيفية تصرف الطبقة العالمية مع ازدياد قوتها وتأثيرها على اقتصاديات العالم. وإلى أي مدى سيصلون في عدم إحساسهم بالناس الذين يشاركونهم الجوار؟ والأمر الأكثر أهمية؛ ما هي العواقب السياسية لظهور استياء المحليين من العالميين.