43

عودة السياسة المالية

نيويورك ــ منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، تحملت السياسة النقدية قدرا كبيرا من أعباء دعم الطلب الكلي، وتعزيز النمو، ومنع الانكماش في الاقتصادات المتقدمة. ومن جانبها، كانت السياسة المالية مقيدة بعجز كبير في الموازنة، وارتفاع الديون العامة، حتى أن العديد من الدول لجأت إلى تنفيذ تدابير التقشف لضمان استدامة الدين. وبعد مرور ثماني سنوات، حان وقت تمرير عصا القيادة.

بوصفها الاختيار الوحيد المتاح عندما يتعلق الأمر بالتحفيز الاقتصادي، اضطرت البنوك المركزية على نحو متزايد إلى تبني سياسات نقدية غير تقليدية. وبدأت بخفض أسعار الفائدة إلى الصِفر، وفي وقت لاحق قدمت سياسة التوجيه المسبق، والتزمت بالإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوى الصِفر لفترة ممتدة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وفي تعاقب سريع، أطلقت البنوك المركزية في الدول المتقدمة أيضا برامج التيسير الكمي، فاشترت كميات هائلة من السندات الحكومية الطويلة الأجل للحد من عائداتها. كما بدأت برامج التيسير الائتماني، أو شراء الأصول الخاصة للحد من تكاليف الاقتراض في القطاع الخاص. ومؤخرا، قررت بعض السلطات النقدية ــ بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، والعديد من البنوك المركزية الأوروبية ــ تبني أسعار الفائدة السلبية.

ورغم أن هذه السياسات ساعدت في تعزيز أسعار الأصول والنمو الاقتصادي، في حين منعت الانكماش، فإنها الآن باتت أقرب إلى بلوغ منتهى تأثيرها. والواقع أن أسعار الفائدة السلبية ربما تلحق الأذى بربحية البنوك فتحد بالتالي من استعداد البنوك للإقراض. أما عن التيسير الكمي، فربما ينفد المخزون من السندات الحكومية التي تستطيع البنوك المركزية أن تشتريها ببساطة.

ومع ذلك، تظل أغلب الاقتصادات بعيدة عن النقطة التي ترغب في الوصول إليها. وإذا استمر هذا النمو الأدنى من الاتجاه فربما تفتقر السياسة النقدية إلى الأدوات اللازمة لمعالجة هذه المشكلة، وخاصة إذا تسببت مخاطر نادرة ــ اقتصادية، أو مالية، أو سياسية، أو جيوسياسية ــ في تقويض النمو أيضا. وإذا كانت البنوك مدفوعة لأي سبب من الأسباب إلى تقليص الإقراض للقطاع الخاص، فقد تصبح السياسة النقدية أقل فعالية، أو غير فعّالة على الإطلاق، أو حتى هدّامة.

في مثل هذا السياق، تصبح السياسة المالية الأداة الوحيد الفعّالة في سياسة الاقتصاد الكلي، وينبغي لها بالتالي أن تتولى قدرا أكبر كثيرا من المسؤولية عن مكافحة الضغوط الانكماشية. ولكن لا توجد حاجة إلى الانتظار إلى أن تنفد ذخيرة البنوك المركزية. وينبغي لنا أن نبدأ تفعيل السياسة المالية الآن، لعِدة أسباب.

بادئ ذي بدء، بفضل تدابير التقشف المؤلمة، تراجعت مستويات العجز والديون، وهذا يعني أن أغلب الاقتصادات المتقدمة أصبح لديها الآن مساحة مالية لتعزيز الطلب. وعلاوة على ذلك، من الممكن أن تعمل أسعار فائدة البنوك المركزية القريبة من الصِفر، والتسييل الفعّال للديون عن طريق التيسير الكمي، على تعزيز تأثير السياسة المالية على الطلب الكلي. والآن أصبحت عائدات السندات الحكومية الطويلة الأجل عند أدنى مستوياتها تاريخيا، وهو ما من شأنه أن يمكن الحكومات من إنفاق المزيد و/أو خفض الضرائب وتمويل العجز بثمن بخس في الوقت نفسه.

وأخيرا، تحتاج أغلب الاقتصادات المتقدمة إلى إصلاح أو إحلال البنية الأساسية المتداعية، وهو شكل من أشكال الاستثمار الذي يدر عائدات أعلى من السندات الحكومية، وخاصة اليوم وقد أصبحت عائدات السندات منخفضة للغاية. ولا تعمل البنية الأساسية العامة على زيادة الطلب الكلي فحسب؛ بل تساعد في زيادة العرض الكلي أيضا، بفضل دعمها لإنتاجية وكفاءة القطاع الخاص.

الخبر السار هنا هو أن الاقتصادات المتقدمة في مجموعة العشرين تبدو على استعداد للبدء ــ أو ربما بدأت بالفعل ــ في الاعتماد بشكل أكبر على السياسة المالية لتعزيز النمو الاقتصادي المتراجع، حتى في حين تستمر في استخدام خطاب التقشف. ففي كندا، أعلنت إدارة رئيس الوزراء جوستن ترودو عن خطة لتعزيز الاستثمارات العامة. وقرر رئس الوزراء الياباني شينزو آبي تأجيل زيادة ضريبة الاستهلاك التي كان من المقرر فرضها العام القادم، في حين أعلن أيضا عن ميزانيات تكميلية لزيادة الإنفاق وتعزيز القوة الشرائية لقطاع الأسر.

وفي المملكة المتحدة، تخلت الحكومة الجديدة بقيادة رئيسة الوزراء تيريزا ماي عن هدف القضاء على العجز بحلول نهاية هذا العقد. وفي أعقاب التصويت على خروج بريطانيا، عكفت حكومة ماي على تصميم سياسات مالية تهدف إلى تحفيز النمو وتحسين الظروف الاقتصادية للمدن، والمناطق، والمجموعات التي تخلفت عن الركب في العقد الماضي.

وحتى في منطقة اليورو، هناك بعض التحركات. فسوف تزيد ألمانيا من الإنفاق على اللاجئين، والدفاع، والأمن، والبنية الأساسية، في حين تخفض الضرائب باعتدال. ومع إظهار المفوضية الأوروبية لقدر أكبر من المرونة في ما يتصل بالأهداف والأسقف، فربما تصبح بقية منطقة اليورو أيضا قادرة على استخدام السياسة المالية بشكل أكثر فعالية. وإذا تم تنفيذها بشكل كامل، فسوف تعمل خطة يونكر، التي تحمل اسم رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، على تعزيز الاستثمار العام في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.

وسوف تشهد الولايات المتحدة بعض الحوافز، سواء فاز بالانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب. فكل من المرشحين يفضل زيادة الإنفاق على البنية الأساسية، والمؤسسة العسكرية، وتخفيف القيود المفروضة على الإنفاق المدني، وإصلاح ضريبة الشركات. كما يعتزم ترامب تنفيذ خطة لخفض الضرائب والتي لن تكون محايدة الإيرادات، أي أنها سوف تعمل بالتالي على توسيع عجز الموازنة (ولو أن التأثير على الطلب من المرجح أن يكون ضئيلا، وذلك نظرا لتركز الفوائد عند أعلى شرائح توزيع الدخل.

Fake news or real views Learn More

من المرجح أن تكون الحوافز المالية الناجمة عن هذه السياسات غير المنسقة التي أقرتها مجموعة الدول السبع متواضعة للغاية ــ في أفضل تقدير 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي من الحوافز الإضافية سنويا لبضع سنوات. وهذا يعني أن المزيد من الحوافز، وخاصة الإنفاق على البنية الأساسية العامة، سوف يكون مبررا في الأرجح. ومع ذلك فإن التدابير المتخذة أو المتصورة حتى الآن تمثل بالفعل خطوة في الاتجاه الصحيح.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali