0

رفض التكنولوجيا الطبية

في تحول مصيري مذهل، خضع مايكل ديباكي ، أحد رواد جراحة القلب الأوائل على مستوى العالم، لجراحة في القلب مؤخراً، باستخدام أسلوب كان قد ابتكره بنفسه، وفي نفس المستشفى التي كان يمارس فيها عمله. وما أضفى على هذه القصة المزيد من الأهمية أن ديباكي يبلغ من العمر 97 عاماً، وأن الجراحة أجريت له رغماً عن إرادته.

وكما هو مقترح مع كل المرضى، كان ديباكي قد ترك تعليمات مسبقة: قرر بموجبها، بينما كان يتمتع بصحة جيدة، أسلوب الرعاية الطبية التي يرغب في أن يتبع معه إذا ما أصابه المرض وبات عاجزاً عن اتخاذ القرار بنفسه. ولقد أشار بكل وضوح في هذه التعليمات إلى عدم رغبته في الخضوع لأي جراحة كبرى.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

من المبادئ الأساسية التي تحكم أخلاقيات الطب المعاصر أن المريض له الحق في اتخاذ مثل هذا القرار، وأن الأطباء ملزمون بتلبية رغبات المرضى في هذا الخصوص. أما تجاهل اختيار المريض بمجرد فقدانه القدرة على اتخاذ القرارات ـ كما حدث حين اقتحمت زوجة ديباكي اجتماع ليلي للجنة الأخلاقيات التابعة للمستشفى وطالبت بإجراء الجراحة لزوجها ـ فهو يشكل انتهاكاً لحق المريض في احترام استقلاله، والذي ناله المريض بعد كفاح دام طيلة العشرين عاماً الماضية.

كان القدر الأعظم من التعليقات الصحافية التي تناولت هذه الحالة يتمحور حول ما إذا كان من الممكن تجاهل رغبات المريض، حتى من جانب أفراد عائلته المحبين له. إلا أن ما أغفله هذا النقاش هو ما إذا كان من اللائق على الإطلاق أن نخضع شخصاً في السابعة والتسعين من عمره لجراحة كبيرة، وخطيرة ومكلفة ـ حتى لو أبدى المريض رغبته في هذا.

تضمنت العملية التي خضع لها ديباكي توصيله بجهاز قلب اصطناعي وفتح شريان الأورطى، وهو الشريان الذي ينقل الدم من القلب إلى أغلب أعضاء الجسم الرئيسية. وبعد ذلك تم استبدال الجزء المتضرر من الأورطى بوصلة اصطناعية.

كانت المجازفات مرتفعة للغاية: فمن بين مجموعة من المتقدمين في السن الذين خضعوا لنفس العملية، كان أكبرهم سناً يبلغ من العمر 77 عاماً، وتوفي 18% من أفراد هذه المجموعة أثناء فترة النقاهة بعد إجراء الجراحة. فضلاً عن ذلك، فإن نجاح العملية لا يعني عودة المريض إلى حالته الصحية المعتادة في غضون أسابيع قليلة. بل إن هذا يعني، كما حدث مع ديباكي ، وكما توقع الفريق الطبي الذي أجرى له العملية، فترة طويلة من الإقامة في المستشفى، والاعتماد على الأجهزة، والمضاعفات المتعددة، وقدر لا يستهان به من المعاناة.

أمضى ديباكي ثلاثة أشهر في المستشفى، حيث كان عاجزاً في أغلب الوقت عن الكلام أو تناول الطعام، ناهيك عن مغادرة الفراش، أو القراءة، أو التفاعل مع الآخرين. حيث كان موصولاً بجهاز التنفس الاصطناعي وبآلة أخرى تعمل على تخليص جسمه من الفضلات، وكانت تغذيته تتم عن طريق أنبوب معدي. ولقد قُدِرت تكاليف إقامته في المستشفى بمبلغ يتجاوز المليون دولار.

ورغم سعادة ديباكي ببقائه على قيد الحياة، فكم من المرضى ينبغي علينا أن نخضعهم لمثل هذا النوع البالغ القسوة من العلاج الذي تحمله ديباكي لمجرد فرصة ضئيلة لتمديد حياة المريض لبضع أسابيع أو أشهر أخرى؟ هل من المنطقي أن يعاني 99 أو ربما 999 إنسان لأيام أو شهور، لكي يموتوا في النهاية بسبب مضاعفات ناتجة عن الجراحة، لمجرد أن شخصاً واحداً منهم قد يعيش؟

لقد أصبح عدد تقنيات تمديد الحياة التي يقدمها الطب المعاصر في تكاثر مستمر. على سبيل المثال، يستطيع منظم مزروع لضربات القلب أن يعيد القلب إلى طبيعته حين يعمل بعدم انتظام، وهو نوع من اللغط المهدد للحياة يعاني من المرضى الذين أصيبوا بأزمات قلبية من قبل. أ��ا جهاز المساعد البطيني الأيسر فهو عبارة عن قلب اصطناعي جزئي يستخدم مع المرضى المحتضرين بسبب قصور القلب. كما نشهد الآن أيضاً انتشاراً واسعاً للمستحضرات الصيدلانية الحيوية الجديدة ـ وهي عقاقير تستخدم في الأساس مع المرضى الذين يعانون من حالات سرطان متقدمة للغاية.

قد تنجح بعض هذه التقنيات في تمديد حياة المرضى من الشباب لعدة أشهر أو حتى عدة أعوام. ولكن هل من المنطقي أن نستخدم مثل هذه التقنيات مع المرضى المتقدمين في العمر للغاية، خاصة وإن كانت مثل هذه التقنيات صعبة ومكلفة؟

حين يبلغ أولئك الذين ولدوا أثناء موجة ازدهار المواليد عامهم الخامس والستين بحلول العام 2010، سوف تبلغ نسبتهم 13% من تعداد سكان الولايات المتحدة؛ وبحلول العام 2050 سوف يتجاوز 21% من سكان الولايات المتحدة الخمسة والستين عاماً، و5% من سكانها سوف يتجاوزون الخامسة والثمانين. ومن المتوقع أن تحلق معدلات الإنفاق على الرعاية الطبية ـ الأموال التي تنفق من خلال برنامج التأمين الحكومي للمسنين ـ إلى عنان السماء (من 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي حالياً إلى 9.2% بحلول العام 2050)، حيث ستكون التقنيات المستحدثة مسئولة عما يزيد على 50% من إجمالي الزيادة في التكاليف. إذا كنا نريد أن نجد الموارد اللازمة للمنافع العامة الأخرى غير الرعاية الصحية ـ كالتعليم، والمتنـزهات الوطنية، والطرق السريعة، ناهيك عن توفير الرعاية الطبية للأطفال والفقراء ـ فلابد وأن نعمل على كبح جماح التكنولوجيا.

Fake news or real views Learn More

إذا ما تحدثنا عن البلدان الغنية، فإن هذا لا يعني تقنين الرعاية الصحية استناداً إلى عمر المريض فحسب. بل لابد وأن تكون البداية بتقييد العلاجات المرهقة والمكلفة، والعلاجات التي تتمتع بأقل القليل من فرص النجاح، وتلك العلاجات المقترحة لمرضى في أرذل العمر. يتعين علينا أن نتقبل حقيقة مفادها أن الإنسان مخلوق فانٍ وليس مخلداً، وأن نمارس هذا الفهم سواء على مستوى الممارسة أو السياسة، وأن نركز على تحسين نوعية حياة المسنين.

هذا يعني التأكيد على أهمية الرعاية المنزلية، والإدارة المنسقة للأمراض المزمنة، والرعاية المخففة للآلام في حالات الاحتضار، بدلاً من استخدام المزيد والمزيد من التكنولوجيا في محاولة إضافة أيام معدودات لحياة المريض. كما يعني ذلك أيضاً اعتبار التكاليف والعمر المتوقع فيما يتصل باتخاذ القرارات بشأن إعادة تخصيص الأموال التي ننفقها على الرعاية الطبية القائمة على التكنولوجيا الفائقة.