3

سَد عجز التعليم في الشرق الأوسط

دلتا النيل ــ على مسافة ستين ميلا تقريبا شمال ميدان التحرير في القاهرة ــ بؤرة الانتفاضة المصرية في عام 2011 ــ تقع مدرسة ثانوية يطلق عليها الطلاب مسمى "السجن". وتبدو ظاهرة على هذه المدرسة التي تتألف من مربع مشوه من الخرسانة مكتظ بالفصول الخربة علامات الزمن والإهمال. في قرية دلتا النيل الخاملة، سَخَر أحد المدرسين وقد علت وجهه مسحة من الكآبة واصفا المدرسة بأنها أشبه بالمشرحة.  قال المدرس قبل بضعة أشهر مخيفا اسمه خشية أن يفقد وظيفته: "نحن لم نر أي ثورة هنا. لقد مات الكثير من الأمل الذي راودنا هنا... قُتِل".

إن محنة المدارس العامة في مِصر تشكل مؤشرا بالغ الأهمية للكيفية التي خذلت بها ثورة مِصر شعبها. رأى المراقبون من الخارج في الثورة الشعبية ضد نظام حسني مبارك نضالا من أجل الديمقراطية ضد الديكتاتورية؛ ويصورها الجنرالات الذين يحكمون مصر الآن مرة أخرى على أنها كفاح من أجل العلمانية اختطفه الإسلام المتطرف. والواقع أنها كانت ثورة من أجل الكرامة الإنسانية والحياة الأفضل للمواطنين العاديين.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في غياب التعليم يصبح ذلك الأمل وكأنه وُلِد ميتا، ليس فقط في مِصر بل وأيضا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وفقا للأمم المتحدة، تتسبب الصراعات الجارية في منطقة الشرق الأوسط في حرمان أكثر من 13 مليون طفل من التعليم. ولكن ليس فقط في الدول التي مزقتها الحرب مثل سوريا واليمن يلقى الشباب إهمالا منهجيا؛ فأوجه القصور عديدة في دول مستقرة نسبيا مثل مِصر والأردن.

يسير نقص التعليم جنبا إلى جنب مع أزمة البطالة في المنطقة. فوفقا لمنظمة العمل الدولية، سجلت منطقة الشرق الأوسط  في عام 2014 أعلى معدلات البطالة بين الشباب في العالم، حيث كان 46% من النساء و24% من الرجال عاطلين عن العمل.

ويدفع هذا المزيج السام من البطالة المرتفعة بين الشباب والتعليم الهزيل الملايين من الشباب إلى حالة من العذاب أطلقت عليها أستاذ الجامعة الأميركية ديان سنجرمان وصف "حالة الانتظار". يصف هذا المصطلح فترة المراهقة المطولة التي يعيشها الشباب رغما عنهم إلى أن يتمكنوا من تحمل تكاليف الزواج، الذي يمثل البوابة المؤسسية والثقافية في المنطقة للمكانة الاجتماعية. ناهيك عن النشاط الجنسي.

من المؤسف أن الحكومات والمؤسسات الدولية تنظر إلى التعليم والبطالة باعتبارهما من القضايا التي تتعلق بالتنمية وليس القضايا السياسية أو الأمنية. تمنح الولايات المتحدة مِصر 1.3 مليار دولار أميركي في هيئة مساعدات عسكرية سنوية (في المرتبة التالية لإسرائيل)، ولكنها تمنحها 250 مليون دولار فقط للمشاريع والبرامج المدنية.

يزعم أنصار المساعدات العسكرية أن الأسلحة مطلوبة لمحاربة أتباع تنظيم القاعدة وما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء والحفاظ على النفوذ الأميركي لدى جنرالات مِصر. ولكن ما لم يحظ الشباب في مِصر بالأمل والفرصة، فإن المساعدات الأمنية تصبح مجرد ضمادة مؤقتة. إذ يعتمد ضمان الأمن في الأمد البعيد على استعداد الحكومة لتوفير القدر الكافي من السلع والخدمات العامة.

لنفترض أن الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي جعلا المساعدات العسكرية والمالية لمِصر مشروطة باتخاذ تدابير واضحة لتحقيق التقدم التعليمي. على المستوى الكلي، تستطيع مصر أن تعمل على تحسين ترتيبها العالمي. في أحدث تقرير بشأن التنافسية العالمية صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ، احتلت مِصر المرتبة 139 بين 140 دولة في ما يتعلق بجودة التعليم الابتدائي.

ومن شأن تغييرات أخرى، مثل الحد من الحاجة إلى الدروس الخصوصية وتكاليفها، أن تُحدِث فارقا جوهريا في حياة المصريين العاديين. في منشية ناصر، أحد أفقر أحياء القاهرة، كان الشباب مثل أشرف خليل الذي يبلغ من العمر 18 عاما يدرسون لاجتياز اختبارات شهادة الثانوية العامة السيئة السمعة. وتعني النتائج بالنسبة لهم الفارق بين الحصول على مكان في جامعة مرموقة وحياة المواطن من الدرجة الثانية في دولة تكاد تفتقر تماما إلى الحراك الاجتماعي.

"لقد ساءت الأمور في الواقع منذ الثورة"، هكذا قال خليل قبل أن يقفز إلى حافلة صغيرة يستقلها إلى مجمع سكني للأثرياء حيث يعمل بستانيا. وهو يحاول جمع القدر الكافي من المال لاستئجار معلم خاص للامتحان. والواقع أن الدروس الخصوصية أصبحت تشكل قوام النظام التعليمي الفعلي في مِصر.

اعترف بعض المدرسين بعيدا عن الرسميات بأنهم يقدمون أقل القليل من التعليم في المدرسة، حتى يتسنى لهم أن يتربحوا من نفس الطلاب في الدروس الخصوصية. وتشير بعض التقديرات إلى أن الأسر المصرية تنفق أكثر من مليار دولار على الدروس الخصوصية للتعويض عن التعليم الهزيل ــ وهي التكلفة التي كثيرا ما تعادل ربع دخل الأسر تقريبا.

وبوسع الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، التي لديها مصلحة حيوية في استقرار وازدهار الدول في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تتولى أيضا توجيه ودعم اتحادات من المستثمرين من القطاع الخاص.

قبل بضع سنوات، بدأ المستثمر المصري أحمد الألفي فصلا مدرسيا افتراضيا تحت مسمى "نفهم". في محاولة للحد من اعتماد البلاد على الدروس الخصوصية، يوفر هذا المشروع البادئ على شبكة الإنترنت فيديوهات تعليمية من مصادر مجمعة. ويستفيد من هذه الخدمة الآن 500 ألف مستخدم، كما تقدم هذه الخدمة المنهج السوري لصالح نحو 50% من الشباب اللاجئين في البلاد الذين أصبحوا خارج المدرسة.

Fake news or real views Learn More

ولكن الألفي يقول إن إيجاد التمويل الخارجي كان أمرا بالغ الصعوبة، وهو ليس وحده. ففي إبريل/نيسان الماضي، أطلق عبد العزيز الغرير، وهو رجل أعمال من الإمارات العربية المتحدة، أكبر صندوق للتعليم في العالَم العربي، والذي يخصص 1.14 مليار دولار في هيئة مِنَح للشباب الذين لا يحصلون على الخدمة الكافية في المنطقة. وتقول ميساء جلبوت، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الله الغرير للتعليم، إن الصندوق يأمل توفير المنح الدراسية لنحو 15 ألف طالب من الشرق الأوسط على مدار السنوات العشر المقبلة. وبدءا من سبتمبر/أيلول، سوف يتلقى الطلاب المساعدات المالية للالتحاق بأكبر أربع جامعات في المنطقة؛ وسوف تكون الدراسة في الجامعات الدولية في نهاية المطاف ممولة أيضا.

بيد أن المبادرات الفردية وحدها لا تكفي. وتشرح ميساء جالبوت: "لابد أن تكون الجهود منهجية ومؤسسية. فلن يتسنى لصندوق واحد معالجة هذه المشاكل... ونحن في احتياج إلى كل الأيادي". ومن الأهمية بمكان لكي تتحقق هذه الغاية أن ننظر إلى تعليم الشباب في منطقة الشرق الأوسط باعتباره قضية استراتيجية تستحق نفس القدر من اهتمام السياسة الخارجية العالمية الذي يحظى به الكفاح ضد الجماعات الإرهابية. ولابد من تسليح المنطقة بالأقلام، وليس السيوف فحسب.