23

ألمانيا في عصر ترامب

برلين ــ الآن أصبح دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، وفي خطاب تنصيبه أوضح للمؤسسة الأميركية أن إدارته لا تعتزم مواصلة العمل كالمعتاد. ويشير شعاره "أميركا أولا" إلى التخلي عن ــ أو ربما تدمير ــ النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الذي بناه وصانه الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون بدءا من فرانكلين ديلانو روزفلت ــ وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من النجاح ــ لأكثر من سبعين عاما.

إذا تخلت أميركا عن دورها بوصفها القوة الاقتصادية والعسكرية الرائدة وتحركت نحو النزعة القومية والانعزالية، فسوف تعجل بإعادة ترتيب النظام الدولي، في حين تعمل أيضا على تغيير الولايات المتحدة ذاتها. فبدلا من كونها قوة مهيمنة، سوف تتحول الولايات المتحدة إلى قوة واحدة كبرى بين قوى كبرى عديدة.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة المحرك الذي يدفع التجارة الحرة العالمية إلى الأمام، وعلى هذا فإن أي تحرك نحو فرض تدابير الحماية أو محاولة عكس اتجاه العولمة أو تسخيرها لتحقيق مصالح وطنية ضيقة، من شأنه أن يخلف عواقب اقتصادية وسياسية هائلة في مختلف أنحاء العالم. الواقع أن الآثار الكاملة المترتبة على مثل هذا التحول لا يمكن التنبؤ بها إلى حد كبير؛ لكننا نعلم جميعا ــ أو ينبغي لنا أن نعلم ــ ماذا حدث آخر مرة عندما تحولت قوى رائدة عالمية إلى الداخل، في ثلاثينيات القرن العشرين.

وربما تُصبِح التحالفات، والمؤسسات المتعددة الأطراف، والضمانات الأمنية، والاتفاقيات الدولية، والقيم المشتركة التي يقوم عليها النظام العالمي الحالي، موضع تساؤل أو رفض تام. وإذا حدث ذلك، فهو كفيل بتدمير السلام الأميركي (Pax Americana) القديم بلا داع بيد أميركا ذاتها. وفي غياب إطار بديل واضح لكي يحل محله، فإن كل المؤشرات تشير إلى اندلاع الاضطرابات والفوضى في المستقبل القريب.