4

الحركة النسائية والعقل الذكوري

نيويورك ـ نشأ أهل أميركا الشمالية من جيلي وهم يستمعون إلى أسطوانة الأطفال التي صدرت في السبعينيات تحت عنوان "نحن أحرار... أنت وأنا". ( “Free to Be...You and Me,” )، التي احتوت على أغنية لنجم كرة القدم السابق روزي غراير بعنوان "لا بأس أن نبكي". والرسالة هنا هي: من الممكن للبنات أن يتحلين بالخشونة، ومن المسموح للصبيان ألا يكونوا خشنين.

ولمدة أربعين عاماً تقريباً ساد هذا النقد النسائي الغربي للأدوار المقولبة التي يلعبها الجنسان. ولقد عمل هذا النقد على أكثر من نحو على تآكل أو حتى القضاء تماماً على ذلك النوع من القيود التعسفية التي حولت الفتيان المسالمين إلى رجال عدوانيين وأبقت الفتيات الطموحات في خانة الوظائف المتدنية الأجر.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

كان أنصار الحركة النسائية كثيراً ما يتهربون من الأدلة العلمية التي تتحدى هذا النقد لأدوار الجنسين. ولأن الحجج القائمة على التشريح البيولوجي بشأن الاختلاف بين الجنسين استغلت تاريخياً لتبرير خضوع النساء، فقد كان النساء عازفات عن الاعتراف بأي فوارق طبيعية، خشية أن يستخدم ذلك الاعتراف ضدهن. ولكن في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة، هل كانت المقاومة النسائية لقبول أي علامة تشير إلى أي اختلاف جنسي فطري طبيعي سبباً في خلق أي شكل جديد من أشكال التحيز؟

كان التحليل النقدي النسائي على سبيل المثال سبباً في تجديد التعليم الابتدائي بالكامل، حيث كانت السيادة لصناع القرار من الإناث: وكثيراً ما يلجأ القائمون على التعليم في أيامنا هذه إلى تحويل اتجاه بنية الهيكل القيادي الذكوري في فناء المدرسة خوفاً من "المشاغبات"، حيث يُـنتَظَر من البنين والبنات على حد سواء أن "يتقاسموا" مشاعرهم وأن "يعالجوها". غير أن العديد من القائمين على التعليم بدءوا يزعمون أن مثل هذا التدخل فيما قد يشكل جانباً فطرياً ثابتاً من جوانب "الصبيانية" من الممكن أن يؤدي إلى ضعف الأداء الأكاديمي للبنين نسبة إلى البنات، وتفاقم المشاكل السلوكية، ونشوء خلل نقص الانتباه، وما إلى ذلك.

والتعليم في هذا السياق ليس أكثر من بداية. فقد نشأ نظام أكاديمي كامل عن هذا النقد الإجمالي لميل الذكر إلى إنشاء التسلسل القيادي، والانخراط في تحديد مناطق النفوذ، والانجراف إلى الصراع. حين كنت طالبة في الكلية، كان الحل النسائي لمسألة "السلطة الأبوية" يتلخص في عالم وهمي خالٍ من التسلسل القيادي، حيث يعبر الناس عن مشاعرهم طيلة اليوم ويخلقون الروابط العاطفية.

كما أثر هذا التحليل النقدي للذكورة إلى حد كبير على العلاقات الحميمة: فقد شجع النساء على التعبير عن سخطهن وعدم رضاهن عن رفض الرجال "لتقاسم" حياتهم الداخلية معهن. واشتكت المرأة من أن صوتها غير مسموع، وأن الرجال يختفون بعد العمل للعبث بأي شيء في مرأب السيارة أو الجلوس لساعات طوال بلا حركة أمام شاشة التلفاز. ولكن رغم أن هذه الشكاوى كانت صادرة من القلب فإنها افترضت أن الرجال يختارون سلوكهم.

الآن تشير سلسلة من التحليلات العلمية القائمة على تكنولوجيا تصوير الدماغ وعدد من الاكتشافات الحديثة في مجال الأنثروبيولوجيا والتطور إلى أننا ربما ندفن رؤوسنا الآن في الرمال، وأننا لابد وأن نكون مستعدين لمواجهة ما قد يبدو على الأقل كفوارق حقيقية يمكن قياسها بين الجنسين.

أشهر هذه الدراسات بحث أجرته عالمة الأنثروبيولوجيا هيلين فيشر تحت عنوان "تشريح الحب"، ويفسر هذا البحث الدوافع التطورية للميول البشرية أثناء التودد والمغازلة، والزواج، والخيانة الزوجية، والطلاق، وتنشئة الأطفال. والحقيقة أن بعض النتائج التي توصل إليها هذا البحث استفزازية: إذ يبدو على سبيل المثال أن البشر مفطورون على الزواج الأحادي المتكرر، وأنهم لابد وأن يعملوا جاهدين من أجل الحفاظ على الروابط الثنائية؛ وأن النساء اللواتي يستشعرن لذة جماع قوية يتمتعن بميزة تطورية؛ وأن المغازلة بين الرئيسيات تشبه إلى حد كبير ما يحدث حين يتبادل الشباب والشابات إظهار اهتمامهن الجنسي في أي بار من البارات اليوم.

فضلاً عن ذلك، ففي وصفها لتطورنا، تذكر فيشر أن الذكور الذين كان بوسعهم تحمل فترات طويلة من الصمت (في انتظار الحيوانات أثناء الصيد) تمكنوا من البقاء لتمرير جيناتهم إلى ذريتهم، أي أن اختيارهم للصمت راجع إلى أسباب جينية وراثية. وفي المقابل كان بوسع الإناث البقاء على قيد الحياة من خلال إقامة الروابط مع الآخرين وبناء المجتمعات، حيث أن هذه المجموعات كانت مطلوبة لجمع الجذور والجوز والتوت، ورعاية الأطفال الصغار في نفس الوقت.

وبقراءة فيشر ، فإن المرء يصبح أكثر ميلاً إلى ترك الصبيان بمفردهم لكي يتحدى كل منهم الآخر ولكي يتسنى لهم اختبار بيئتهم، ولتقبل هذا الأمر فقد صممت الطبيعة الرجال والنساء ـ طبقاً لوصف فيشر ـ لكي يتعاونوا فيما بينهم من أجل البقاء. والتعاون بطبيعة الحال يعني ضمناً الإرادة الحرة في الاختيار؛ فحتى ذكور الحيوانات الرئيسية لا يتسنى لها إحراز النجاح بالهيمنة على الإناث أو فرض سيطرتها عليهن. وفي تحليلها ترى فيشر أنه من مصلحة الجميع أن يتقاسم الرجال والنساء قواهم التي قد تكون مختلفة في بعض الأحيان ولكن كل منها تكمل الأخريات ـ وهو استنتاج يبدو مطمئناً وليس جائراً.

وهناك دراسة قام بها مايكل جوريان ، المستشار في مجال بيولوجيا الأعصاب، تحت عنوان "تُـرى فيم يفكر الآن؟"، وهي تحمل هذه الأفكار والتصورات إلى أبعاد أعمق. فيزعم جوريان أن عقول الرجال قد تشعر حقاً بالغزو وقد يصيبها الارتباك من جراء الإفراط في المعالجة اللفظية للمشاعر، وهذا يعني أن ميل الرجال إلى الانفراد بأنفسهم أو القيام بأي عمل ميكانيكي بدلاً من التعبير عن مشاعرهم لا يشكل رفضاً لرفيقاتهم، بل إن ذلك نابع في الحقيقة من احتياج عصبي بحت.

بل إن جوريان يفترض أيضاً أن مخ الذكر عاجز في الحقيقة عن الانتباه إلى تراكم الغبار أو الغسيل كما تنتبه إليه الأنثى، وهو ما يفسر ميل الرجال والنساء إلى أداء المهام المنزلية بطرق مختلفة. والرجال في كثير من الأحيان لا يمكنهم سماع نبرات الصوت الخفيضة لدى النساء، وعقولهم على العكس من عقول النساء تدخل أحياناً في حالة من "الراحة" (فالرجل في بعض الأحيان يفكر حقاً في "لا شيء"!).

ويزعم جوريان فضلاً عن ذلك أن الرجال يميلون لأسباب عصبية مماثلة إلى تربية الأطفال على نحو يختلف عن تربية النساء لهم، فيشجعونهم على خوض المجازفات والاستقلال، ولا يلتفتون كثيراً إلى التفاصيل الخاصة بتغذيتهم. ويستطيع المرء أن يرى من هذا المنطلق مدى أهمية حصول الأطفال على كل من الأسلوبين في التربية. ويحث جوريان النساء على مزاولة الأنشطة الموازية جنباً إلى جنب مع الرجال، وليس بالضرورة الأنشطة التي تتطلب المواجهة اللفظية، وأن يجربن التقارب مع أزواجهن.

الحقيقة أن كل هذا يفضى إلى قدر من التحرر ولا يثير الغضب. ذلك أن الكثير مما يغضب النساء أو يدفعهن إلى الشعور بأنهن مرفوضات أو غير مسموعات، قد لا يعكس إهمالاً واعياً من جانب الرجال أو حتى التحيز ضد جنس النساء، بل إنه راجع ببساطة إلى التركيبة العصبية لأمخاخهم! وطبقاً لرأي جوريان فإذا تقبلت المرأة هذه الفوارق البيولوجية ولجأت إلى الدوران من حولها في علاقتها بالرجل، فإن الرجل يستجيب بقدر عظيم من التقدير والإخلاص (وهو ما يعبر عنه بأسلوب غير لفظي في كثير من الأحيان). إن النساء اللواتي تبنين هذه النتائج وعملن بموجبها يؤكدن أن علاقاتهن بالرجال المتواجدين في حياتهن أصبحت أكثر سلاسة، بل وأكثر حميمية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لا شيء من هذا قد يعني أن الرجال والنساء لا ينبغي لهم أن يحاولوا التكيف مع رغبات الطرف الآخر، وأن يطالبوا بتقاسم المسؤوليات فيما يتصل بالأعمال المنزلية، وأن يتوقعوا من الطرف الآخر أن يسمعهم. ولكنه قد يعني أن كلاً منا يستطيع أن يتفهم الطرف الأخر على نحو أفضل وأن يكون أكثر صبراً في التواصل معه.

والحقيقة أن الأبحاث العلمية الحديثة لا تشير إلى أن الرجال (أو النساء) متفوقون، ناهيك عن تبرير التمييز الظالم المهين. ولكنها تشير إلى أن المجتمع الأكثر ميلاً إلى التعددية، المنفتح على كافة أشكال الاختلاف، قادر على التعلم والعمل والحب على نحو أفضل.