Emmanuel Macron and President of the European Commission Jean-Claude Juncker John Macdougall/Getty Images

ثلاثة طرق أمام منطقة اليورو

واشنطن العاصمة ــ بعد عام عاصف، تبدو الأجواء السياسية في كل أنحاء أوروبا في سبيلها للاستقرار. ورغم فوز حزب البديل من أجل ألمانيا بنحو 13% من الأصوات في الانتخابات الفدرالية التي شهدتها ألمانيا مؤخرا، فإن ذلك لا يمثل تهديدا حقيقيا لزعامة المستشارة أنجيلا ميركل. وفي فرنسا ــ التي تمثل الركن الآخر للمشروع الأوروبي ــ يستطيع الرئيس إيمانويل ماكرون الاعتماد على أغلبية برلمانية صلبة. وبرغم الغموض المحيط بتفاصيل الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، فإن إمكانية تجاهل الاتحاد الأوروبي لبريطانيا كعضو في أي خطط يضعها أمر مشكوك فيه إلى حد كبير.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لذا يتركز السؤال الآن على الكيفية التي سيتحرك بها قُدما الاتحاد الأوروبي، وبالأخص منطقة اليورو. وهنا تبرز احتمالات ثلاثة.

الخيار الأول هو "اتحاد أكثر وحدة" بحسب وصف رئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود يونكر في خطابه بشأن حالة الاتحاد الشهر الماضي، حيث تميل رؤية يونكر إلى رفض فكرة أوروبا متعددة السرعات، وتفضيل السير بخطوات متسقة وموحدة من جانب كل أعضاء الاتحاد الأوروبي. وقد يعني هذا كبداية توسيع نطاق منطقة شنجن للسفر والتنقل الحر عبر الحدود ليشمل بلغاريا ورومانيا. كذلك دعا يونكر لإحراز تقدم صوب إنشاء اتحاد أوروبي للمعايير الاجتماعية يجسد فهما مشتركا للحق في الرعاية الاجتماعية في السوق الموحدة.

وعن اليورو، أكد يونكر على أن الهدف منه أن يكون عملة لأوروبا بأسرها، لا لدول بعينها فقط. وبناء على هذا، ينبغي للاتحاد الأوروبي مواصلة المساعي لإنشاء اتحاد مصرفي كامل تكون لوائحه المصرفية وقواعد الإشراف عليه ثابتة وموحدة في كل الدول الأعضاء. كما ينبغي أن يصبح مفوض الشؤون الاقتصادية والمالية وزير مالية أوروبا، وأن تصير آلية الاستقرار الأوروبية بمثابة صندوق النقد الأوروبي.

لو طرُحت مثل هذه النزعة التكاملية "المتشددة" قبل عام لافتقدت المصداقية، فلم تكن بريطانيا لتقبل بها على أية حال. لكن مع تحول الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي إلى شيء مؤكد حسبما يبدو، فقد اكتسبت رؤية يونكر بعض المصداقية.

لكن تناول يونكر "الأحادي السرعة" لقضية التكامل يظل مثار جدال كبير. ومن ثمّ فقد طرح ماكرون رؤيته الطموحة لأوروبا، والتي تعكس في طياتها كثيرا من مقترحات يونكر، لكنها تسمح في ظاهرها بتباين أكبر داخل الاتحاد الأوروبي، ولو على المدى المتوسط على الأقل.

فمثلا إذا لم تكن بولندا راغبة في تبني عملة اليوو، لا ينبغي إجبارها على فعل ذلك، كما لا ينبغي أن يمنع هذا القرار دول منطقة اليورو الأخرى من التحرك قدما نحو التكامل. لذا يريد ماكرون برلمانا منفصلا لمنطقة اليورو للبت في الأمور التي لا تتعلق بكل أعضاء البرلمان الأوروبي، حتى لا تمنع التباينات في مستوى التكامل الذي تسعى إليه الدول اليوم أحدا ــ أو الجميع ــ من الانضمام في النهاية إلى "جوهر" الاتحاد الأوروبي المتكامل بشكل عميق ومستقر.

أما الطريق الثالث أمام منطقة اليورو للمضي قدما ــ وهو الأرجح فيما يبدو ــ فيتمثل في بقاء الأمور على حالها. فقد خمدت الأزمة الاقتصادية التي لطالما فجرت الدعوات لتكامل أكبر ــ وفي بعض الحالات لتفتت أكبر ــ مع تجاوز نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي اثنين بالمئة، وانخفاض مستوى البطالة بشكل كبير. حتى أن اليونان ــ الدولة الوحيدة التي لا تزال في وضع الأزمة إلى حد ما ــ تواصل اجتهاداتها لإدارة الأزمة والخروج منها.

في هذا السياق، ربما يقرر صانعو السياسات، كما فعلوا من قبل مرات كثيرة، تأجيلخير أ الإصلاحات الطموحة لمنطقة اليورو، والاكتفاء بالإصلاحات التي استُهدفت خلال الأزمة، حيث سيتيح لهم ذلك مساحة أكبر للتركيز على مجالات أخرى قد تتطلب اهتماما أسرع في السياق الحالي، مثل الطاقة، والتنظيم الرقمي، والهجرة.

لكن هناك مخاطر شديدة إذا سلك صانعو السياسات هذا الطريق فعلا. نعم، نشهد بأن منطقة اليورو تؤدي وظيفتها، وبأن الإصلاحات الرئيسة في المجالات الأخرى مهمة، إلا أن الاتحاد النقدي لا يزال يعاني من خلل جوهري، وهو: غياب آليات قادرة على منع صور التباين في التكلفة عبر الدول التي فقدت القدرة على الإقدام على تعديل سعر الصرف.

وقد تتمثل إحدى هذه الآليات في إتاحة قدر أكبر من حرية انتقال العمال في قطاع الخدمات. لكن حتى لو اتفقت دول منطقة اليورو على تحرير أكبر لسوق العمل، قد يواجه العمال عقبات ثقافية ولغوية كبيرة. لكن على أية حال، في غياب آلية كهذه، قد تفضي التوجهات التي بلغت أوجها خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة إلى أزمة أخرى.

بعد تجربة الأزمة، فمن المتوقع حال بدء ظهور علامات تنامي تباينات التكلفة مستقبلا، أن ترتفع فروق أسعار الصرف بين دول منطقة اليورو بوتيرة أسرع كثيرا عن ما كانت عليه قبل الأزمة الأخيرة، لتعطي إشارة تحذيرية مبكرة. ولو أخذنا في الاعتبار بقاء جزء كبير من عبء الديون المتراكمة وإنفاق الكثير من ذخيرة الإنقاذ، فإن أي صدمة أخرى قد تكون مدمرة.

وكما نقل (الصحافي البريطاني) مارتن ولف عن الاقتصادي آدم ليريك، يقترح الأخير نظاما يلزم المنتفعين من التغيرات المفاجئة في فروق أسعار الصرف بتحويل نصف مكاسبهم إلى "حساب لتثبيت تكاليف التمويل" ليُصرف مرة أخرى للمنتفعين عندما تهدأ صدمة أسعار الصرف. لكن نظاما كهذا يستوجب اتفاقا بين أعضاء منطقة اليورو، كأي إصلاحات أخرى في منطقة اليورو.

وبما أن ميركل لا تزال في مرحلة تشكيل حكومتها الائتلافية الجديدة، يستحيل الجزم بالطريقة التي ستتبعها أوروبا في التعاطي مع قضية التكامل في السنوات المقبلة. لكن لو وضعنا في الاعتبار احتمالية أن يشمل ائتلافها الديمقراطيين الأحرار المتشككين في أوروبا، والخضر المؤيدين للتكامل، وبينهما أتباع حزبها من الديمقراطيين المسيحيين، فإن السعي السريع وراء الأهداف الطموحة لتكامل يشمل أوروبا بأسرها أمر مستبعد.

ثمة خيار أكثر واقعية يتمثل في جهد متعدد السرعات تستطيع دول منطقة اليورو من خلاله التحرك قدما، مع السماح للآخرين بالانتظار. بالطبع لن تكون النتيجة مثالية، لكنها ستكون أفضل ــ بل وأفضل كثيرا ــ من الوضع الحالي.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/sbPTJsT/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now