27

الشعوب أولا في أوروبا

باريس ــ يبدو أن نفس السخط الشعبوي الذي غذى التصويت لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي يشهد ارتفاعا واضحا في مختلف أنحاء أوروبا، وهو ما يشير إلى أن صناع السياسات فقدوا البصيرة في ما يتصل بالهدف الأساسي من المشروع الأوروبي: ضمان رفاهة كل الأوروبيين. وعلى حد تعبير تقرير الأمم المتحدة الأول للتنمية البشرية عام 1990: "فالبشر هم الثروة الحقيقية للأمة".

وأفضل طريقة للاستفادة من البشر في أي بلد أو منطقة هي من خلال العدالة الاجتماعية. في كتابه الرزين "فِكرة العدالة"، خلص أمارتيا سِن إلى أن العدالة الاجتماعية الحقيقية لا تتطلب المعاملة المتساوية للجميع، بل المعاملة غير المتساوية لصالح الفقراء والأكثر حرمانا. إن مجرد المساواة في الموارد المالية العامة أو في نظر القانون لا تكفي إذا لم نضع في الاعتبار أيضا نقاط البداية المختلفة للأفراد والفئات في المجتمع. وانطلاقا من إدراك هذه الحقيقة، كانت تقارير الأمم المتحدة في ما يتصل بالتنمية تسوق الحجج منذ عام 1990 التي تؤكد أن الاقتصادات والمجتمعات تصبح أقوى عندما تجعل السياسة العامة رفاهة الناس على رأس أولوياتها.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

بيد أن هذه النظرة لم تضرب بجذور راسخة بعد في دوائر النخبة التي تصنع السياسات في الاتحاد الأوروبي، حيث يتصور خبراء الاقتصاد والساسة من ذوي النوايا الحسنة غالبا أنهم يفعلون الصواب بضبط الموازنات. ويعتقد صناع السياسات هؤلاء، بلا أدلة تجريبية تُذكَر، أن الحصافة المالية اليوم من شأنها أن تُفضي إلى اقتصاد أكثر قوة غدا.

هذا هو التفكير الذي يتجاوز مزيج السياسات الحالي في أوروبا، حيث يجتمع التقشف المالي بالإصلاح البنيوي، بما يعني تراجع الإنفاق على شبكة الأمان الاجتماعي ونقص القواعد التنظيمية اللازمة لحماية العمال. ومن الواضح أن تكاليف هذه السياسات يتحملها في الأغلب الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة.

ولكن هناك العديد من المشاكل الأخرى التي تعيب هذا النهج. فهو أولا غير مفيد لدخول أغلب الناس. عندما نظر الخبير الاقتصادي من جامعة أكسفورد توني أتكينسون إلى الأداء الاقتصادي في المملكة المتحدة من خلال عدسة التفاوت بين الناس، بدا عقد ثمانينيات القرن الماضي، الذي اعتُبِر في عموم الأمر عقدا من النمو القوي، أسوأ كثيرا؛ وبدا عقد التسعينيات، الذي اعتُبِر عقدا من النمو المنخفض، أفضل كثيرا.

تشير النتائج التي توصل إليها أتكينسون إلى مسألة مركزية: من يستفيد من النمو ــ الأكثرية أو الأقلية؟ إذا كان من الممكن أن يوصف أي اقتصاد بأنه ينمو عندما تكون أقلية ضئيلة هي التي تتلقى أغلب المكاسب في حين تظل حصة الجميع غيرهم بلا تغيير أو في تناقص، فإن مفهوم النمو الاقتصادي يفقد الكثير من معناه.

يقودنا هذا إلى مشكلة ثانية تعيب النموذج الغالِب، وهي أنه يقدم المؤشرات الاقتصادية المجردة على البشر في الأهمية. ولأن الناتج المحلي الإجمالي هو المقياس المفضل لقيمة أي اقتصاد، فإن العديد من العوامل التي تساهم في رفاهة البشر تصبح موضع تجاهل، ويُنظَر إلى الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، باعتباره جزءا من النفقات وليس استثمارا أساسيا.

إذا نظر صناع السياسات إلى مثل هذا الإنفاق كاستثمار، فسوف يكون بوسعهم أن يشرعوا في التفكير في كيفية تعظيم العوائد. وكمثل كل الاستثمارات في رأس المال البشري أو الثابت، فقد تتناقص العائدات عند مستويات مرتفعة. لذا، فبدلا من توجيه الفوائد الاقتصادية إلى الأثرياء على افتراض أنها سوف "تتقاطر إلى الأسفل"، ينبغي لصناع السياسات أن يعكفوا على تقييم ما إذا كان الاستثمار في الفرص لصالح الفقراء يحقق بالفعل قدرا أكبر من النمو الاقتصادي. ففي الولايات المتحدة، كان قانون إعادة تكييف العسكريين لعام 1944 (المعروف باسم قانون جي آي) ناجحا لأنه وفر التدريب لأولئك الأشد احتياجا إليه، وعمل على تمكين المحاربين القدامى العائدين من الحرب العالمية الثانية من العودة إلى الاقتصاد المنتج. وقد ساعد القانون في خلق قوة عمل أكثر تعليما، كما بَشَّر بقدوم فترة من الدخول المرتفعة لأغلب الأميركيين.

المشكلة الثالثة في النهج الحالي هي أن هدفه المركزي ليس التشغيل الكامل للعمالة. وقد حان الوقت للعودة إلى سياسات الاقتصاد الكلي التي سادت في فترة الخمسينيات والستينيات، والتي اعترفت بفوائد التشغيل الكامل للعمالة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والنمو المستدام. وكما يُظهِر النموذج المعمول به في دول الشمال، يستفيد الاقتصاد من ارتفاع مستويات تشغيل العمالة لأنه يضمن إيرادات ضريبية كافية لتمويل مستويات عالية من الاستثمار الاجتماعي، مما يساعد في خلق حلقة حميدة.

بيد أن العديد من الدول الأوروبية تعيش الآن في حلقة مفرغة بدلا من ذلك، حيث تعمل سياسات التقشف على زيادة مشكلة البطالة بين الشباب سوءا. وهذا ليس غير ضروري فحسب، بل هو إهدار أيضا، لأنه يجازف بخلق جيل غير مجهز بشكل جيد لدفع عجلة النمو في المستقبل. وكما أشار جون ماينارد كينز في عام 1937، فإن "الرواج وليس الركود، هو الوقت المناسب الذي تفرض فيه الخزانة تدابير التقشف". وفي ظل الركود الحالي، ينبغي للدول الأوروبية أن تستثمر في رأسمالها البشري لتحفيز النمو المحتمل في اقتصاداتها.

تتلخص المشكلة الرابعة في أن السياسات المالية التي تنتهجها الدول الأوروبية لا تؤكد على الإبداع والابتكار، الذي لا يستفيد من البيئة التنظيمية المواتية فحسب، بل وأيضا من ارتفاع جودة التعليم والبنية الأساسية. وتحتاج الحكومات إلى الحد من الروتين البيروقراطي حتى يتسنى لأصحاب الأعمال أن يخوضوا المزيد من المجازفات. ولكن شركات التكنولوجيا الخارقة مثل أبل وفيسبوك وتويتر تعتمد أيضا على الناس القادرين على الوصول إلى أنظمة التعليم الجيدة التمويل. وعلى الرغم من وجود قطاع "التكنولوجيا من أجل الخير" المتنامي في أوروبا، فلن ينجح هذا القطاع إلا إذا كان مدعوما ببنية أساسية حديثة، وهو ما يتطلب عادة نفقات عامة.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن صناع السياسات في أوروبا (وأماكن أخرى) في احتياج إلى ضبط تفكيرهم ــ وخاصة تفكيرهم المالي ــ بوضع البشر على رأس أولوياتهم. فالحكومات التي تجعل هدفها المركزي تعظيم رفاهة البشر تنجح في نهاية المطاف ليس فقط في تشجيع النمو الاقتصادي الأعلى، بل وأيضا رعاية سياسات أوفر صِحة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali