0

أمراض معدية جديدة

إن الأزمة التي تكتنف عالم الأحياء المتنوع اليوم لا تتلخص في تلاشي المواطن الطبيعية وانقراض بعض الأنواع، بل إن هذه الأزمة تشتمل أيضاً على أمراض معدية جديدة مثل الفيروس المسبب لمرض الإيدز (عرض نقص المناعة المكتسب) لدى البشر، والإيبولا لدى البشر والغوريلا، وفيروس غرب النيل وأنفلونزا آفيان لدى البشر والطيور، والفطريات وحيدة الخلية لدى الحيوانات البرمائية، وحمى الكلاب لدى سباع البحر. هناك العديد من الأسباب التي تفرض علينا أن نتعامل مع هذه الأحداث بمنتهى الجدية، فعلى ما يبدو أن الأمراض المعدية الجديدة قد مرت بتاريخ طويل من التطور.

يرجع هذا إلـى قدرة العديد مـن الكائنات المسببة للمرض علـى إصابة نطاق متسع من الكائنات المضيفة، لكنها نشأت وتطورت في أماكن حيث تعيش بعض هذه الكائنات فقط. كما أن الكائنات المسببة للمرض تتبع سـبلاً متخصصة فـي الانتقال مـن مضيف أو عائل إلى آخر. علـى سبيل المثال، إذا مـا كان أحد الكائنات المسببة لمرض ما ينتقل بواسطة حشرة تعيش في أعالي الأشجار، فإن الكائنات المضيفة المعرضة للإصابة به لن تصيبها العدوى إذا لم تترك الأرض أبداً.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

أما بالنسبة للبشر فإن الفيروس المسبب لمرض الإيدز، والإيبولا، وفيروس غرب النيل، وأنفلونزا آفيان كلها ليست سوى الأمراض الأخيرة في قائمة طويلة من الأمراض المعدية الجديدة. فحين خرج أسلافنا من الغابة الإفريقية إلى سهول السافانا منذ ما يزيد على المليون عام، سرعان ما تحولوا إلى صيد الفرائس. ونظراً لتقاسمهم الفرائس مع الحيوانات آكلة اللحوم التي كانت موجودة في المكان من قبلهم فقد أصيبوا بالدودة الشريطية التي كانت تصيب الضباع وحيوانات السنور الضخمة والكلاب الإفريقية الصيادة فقط.

وحين بدأ البشر في الخروج من أفريقيا حملوا معهم بعضاً من تلك الكائنات المسببة للمرض إلى مناطق جديدة، حيث انتقلت تلك الكائنات إلى المضيفين المحليين بينما انتقلت الكائنات المحلية المسببة للمرض إلـى القادمين الجدد من بني البشر. وفيما بعد أدت الزراعة والتمدين إلى تعريضنا للمزيد من الكائنات المسببة للمرض. ولو كان للأطباء وجود آنذاك لكانوا قد أطلقوا على كل تلك الحالات مسمى الأمراض المعدية الجديدة.

كانت القيود الجغرافية والانتقال على نحو عالي التخصص من الأسباب التي جعلت أغلب الكائنات المسببة للمرض في أغلب العصور تتواجد في عدد بسيط من الأنواع المضيفة، وكثيراً في عائل واحد فقط، لكنها كانت تحتفظ بالقدرة على إصابة المزيد بالعدوى. لكن تغيير المناخ يبدل كل شيء، حيث كان يجبر الأنواع على الانتقال من مواطنها الأصلية مما أدى إلى تغير الأنظمة البيئية. وبطبيعة الحال فـإن الكائنات المسببة للمرض تحتك بالأنواع المضيفة المعرضة للإصابة والتـي لم يسبق لها قط الحصول على الفرصة لاكتساب المناعة ضدها. ومن هنا فإن الأمراض المعدية الجديدة ليست من قبيل المحتمل فحسب، بل إنها مُـحَـتَّـمة. والحقيقة أن كل سلسلة من سلاسل تغيير الطقس التي شهدتها الكرة الأرضية كانت تؤدي إلى نشوء مثل هذه الكائنات الجديدة.

إن توقع حدوث المشكلة يكون دوماً أكثر فعالية في توفير الوقت والتكاليف من مجرد الاستجابة للأزمات، بصرف النظر عن مدى نجاح تلك الاستجابة أو مدى قابليتها للتطبيق. ومـما يدعو للأسف أنـنا عادة نكافح الأمراض الموجودة بالفعل لكننا نهمل واجب النظر إلى المستقبل.

على سبيل المثال، يؤوي الأيل أبيض الذيل الذي يعيش في شمال غرب كوستاريكا ستة أنواع من القراد. ولم يُـعْـرَف عن أيٍ من هذه الأنواع أنها تحمل مرض "لايم" الذي لم تسجل له حالة واحدة في كوستاريكا قط. ونتيجة لهذا فلا يوجد هناك مستشارو صحة عموميون فيما يتصل بمرض "لايم". لكن بعض أنواع القراد تلك وثيقة الصلة بحشرات أخرى ناقلة للمرض، وبهذا تصبح هذه الأنواع ناقلات محتملة للمرض. إن هذا المرض الـمُـنْـهِك ـ الصعب التشخيص ـ قد يظهر في غفلة من الزمن في كوستاريكا بسبب شيء بسيط كسائح بيئي لا تظهر عليه أعراض المرض.

لقد اعتمدنا على جرد أجرته بعض الجهات البحثية للكائنات التي تتطفل على الحيوانات الفقارية في كوستاريكا في الحصول على معلوماتنا بشأن القراد الذي يتطفل على أيل كوستاريكا. لكنه كان الجرد الوحيد من نوعه، ويتعين علينا أن نبذل جهداً أكبر. إن ما يزيد على 50% من المخلوقات التي تقطن هذا الكوكب هي طفيليات من نوع أو آخر، بما في ذلك الكائنات المسببة للمرض التي تصيب البشر، والتي تصيب الماشية والدواب، والتي تصيب المحاصيل، والتي تصيب الحياة البرية. ولكن نسبة إلـى معرفتنا الإجمالية بالتنوع الأحيائي فـقد سجلنا ما يقل عن 10% من الكائنات المسببة للمرض في العالم. أما التسعين في المائة المتبقية فإنها بمثابة أمراض معدية جديدة محتملة.

من هذا المنطلق فنحن نواجه أزمة محتملة نابعة من جهلنا الجوهري بمحيطنا الحيوي، وذلك لأنه من المستحيل علينا أن نتعامل على نحو استباقي مع أنواع من الكائنات المسببة للمرض التي لم يتم تسجيل وجودها بعد، الأمر الذي يجعل من العديد من الكائنات المسببة للمرض "ألغاماً نشوئية كامنة" تقبع في انتظارنا ونحن ننتقل إلى بيئات طبيعية جديدة، وننقل معنا الأنواع، ونبدل الأنظمة البيئية القائمة. وعلى الرغم من ذلك فما زلنا نخصص أغلب الموارد للتعامل مع الأمراض المعدية الجديدة القائمة بالفعل بدلاً من تقييم الأخطار التي تشكلها أمراض معدية جديدة محتملة.

يتعين علينا ببساطة أن نستكمل الجرد العالمي للأنواع الآن.

إن خمسمائة ألف عام من الخبرة في مجال الصيد والجمع، فضلاً عن توفر السبل الأرخص والأسرع للتحليل الجزيئي، بما في ذلك أجهزة الحاسب الآلي الأسرع والأرخص، تجعل هذه المهمة عـملاً مـعقولاً ممكناً مـن الناحية الاقتصادية. وإن التعرف السريع باستخدام "الرموز الخطوطية" للجينات من شأنه أن يزيد من معدل اكتشاف الأنواع ويحدد آليات انتقال الأمراض المعدية الجديدة المحتملة.

Fake news or real views Learn More

تتسم الكائنات المسببة للمرض بأنماط انتقال عالية التخصص، كما تميل المجموعات من الأنواع ذات الصلة الوثيقة إلى التشابه الشديد فيما بينها. فكافة أنواع الملاريا على سبيل المثال تنتقل بواسطة البعوض. وبمجرد انتهائنا من تصنيفها فلسوف نتمكن من التوصل إلى توقعات بشأن أي نوعين وثيقي الصلة اعتماداً على معلومات غير كاملة عن أيٍ منهما، وبالتالي نتمكن من كسب الوقت وتوفير المال. وأخيراً لابد من حفظ هذه المعلومات بالوسائل الرقمية الحديثة وإتاحتها على شبكة الإنترنت لكافة الباحثين المهتمين والجهات البحثية المعنية.

لو كانت الأمراض المعدية الجديدة نادرة فلربما كان بوسعنا أن نتعامل مع الأزمات على نحو أفضل من حيث الأداء الاقتصادي. لكن الأمراض المعدية الجديدة ليست نادرة على الإطلاق، بل إنها نتاج طبيعي شائع للانتثار الجغرافي المرتبط بتغييرات بيئية واسعة النطاق. ولذلك يتعين علينا أن نكف عن الركون إلى الجهل والاكتفاء برد الفعل، وأن نسعى إلى الاطلاع والعمل الاستباقي. وهنا أقتبس هـذا القول المأثور فـي عالم الرياضة: "لا تفكر قط في تغيير أسلوب يقودك إلى المكسب، ولكن يتعين عليك أن تبادر إلى تغيير أسلوبك إذا ما وجدت أنه يقودك إلى الخسارة".