Street of Hong Kong Starcevic/Getty Images

لماذا لن تكون الغَلَبة للرنمينبي

طوكيو ــ في فيلم الخيال العلمي السوداوي "بليد رانر 2049"، تبدو مدينة لوس أنجليس بعد 32 عاما من الآن أشبه كثيرا بالمدن الكبرى في الصين اليوم: رمادية، وملوثة، وتغلُب عليها أبراج شاهقة مزينة بإعلانات النيون الوامضة. لا تُنبئنا أحداث الفيلم بالكثير عن ما يجري في العالَم الخارجي، ناهيك عن العملة التي يتداول بها الناس السلع المعلن عنها. هل لا يزال الدولار الأميركي مهيمنا، أو هل استولى الرنمينبي على مكانة الدولار، أو هل ارتفعت أي عملة أخرى إلى الصدارة العالمية؟

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترمب عازما على ضمان تراجع أميركا، جزئيا على الأقل، عن دورها القيادي العالمي. ولكن كما كانت الحال مع الجنيه البريطاني في فترة ما بين الحربين، تستطيع العملة أن تظل مهيمنة عالميا حتى بعد أن تفقد الدولة المصدرة لها هيمنتها الاقتصادية، والمالية، والجيوسياسية. واليوم أيضا ينبغي للعالم أن يتوقع أن يظل الدولار الأميركي العملة الاحتياطية الرئيسية المستخدمة في أعداد فواتير وتسويات التجارة الدولية لفترة طويلة قادمة.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية المالية الدولية، فقد لا يظل موقف الدولار على نفس القدر من الأمان. والسؤال هو ما إذا كانت نهاية "دبلوماسية الدولار"، التي يتوقعها رجل الاقتصاد باري آيكنجرين تعني بالضرورة صعود دبلوماسية الرنمينبي.

كان صناع السياسات في الصين يأملون في تطوير الدور الذي يلعبه الرنمينبي في التمويل الدولي، من أجل تعزيز مكانة الصين الجيوسياسية، منذ تسعينيات القرن العشرين. وفي السنوات الأخيرة، قاد المسؤولون في الصين جهودا متضافرة لتحقيق هذا الطموح، وخاصة من خلال تدويل العملة الصينية.

ومع ذلك، لم يقترب التمويل المقوم بالرنمينبي حتى من الاستعداد للتنافس مع ــ ناهيك عن مزاحمة ــ التمويل المقوم بالدولار. الواقع أن الرنمينبي لا يزال متأخرا خلف العملات الاحتياطية الأخرى (الدولار الأميركي، واليورو، والين الياباني، والجنيه البريطاني) في عالَم التمويل الدولي بشوط كبير، حتى أن العمل بنظام نقدي دولي يقوده الرنمينبي بحلول منتصف هذا القرن يبدو احتمالا بعيدا بُعد العالَم الفاسد الذي يصوره فيلم بليد رانر 2049.

أحد الأسباب وراء استمرار ضعف الرنمينبي في التمويل الدولي هو أنه يظل عملة دولية نصف ناضجة، على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه منذ عام 2010. والرنمينبي غير سائل وغير قابل للتحويل خارج أسواق بعينها في الخارج. ونتيجة لهذا، يظل وزنه في محافظ المستثمرين الدوليين ضئيلا.

وحتى الصين ذاتها لا تستخدم الرنمينبي إلا في ربع تجارتها الدولية، ولا يزال تمويلها الدولي مقوما بالدولار. والشركات الصينية الكبرى ــ مثل علي بابا، وبايدو، وتينسينت ــ مدرجة في نيويورك أو هونج كونج، حيث يجري تسعيرها إما بالدولار الأميركي أو دولار هونج كونج. وأغلب قروض الصين واستثماراتها السريعة التوسع في الخارج مقومة بالدولار.

بيد أن السبب الأكثر إقناعا وراء عدم ترجيح ظهور نظام تمويل دولي يهيمن عليه الرنمينبي في أي وقت قريب هو أن قادة الصين لم يُظهِروا قَط أي التزام مستمر بتطوير الرنمينبي كبديل حقيقي للدولار. بل كانوا يلاحقون بدلا من ذلك نهجا تعاونيا لإصلاح النظام النقدي الدولي، والذي يزعمون أنه لا ينبغي أن يعتمد على أي عملة منفردة.

يرى الصينيون أن مستقبل النظام النقدي الدولي لابد أن يقوم على توفر عملات وطنية متعددة تسمح بالاختيار ــ وبالتالي تقليل تعرض النظام للسياسات الوطنية. وعلاوة على ذلك، مع تزايد عدد البنوك المركزية الحريصة على خلق السيولة، والمراكز المالية الدولية التي تعرض مجمعات من هذه السيولة، فإن مثل هذا النظام ينطوي على قدر أقل من مخاطر نشوء الأزمات النقدية. وبالفعل، كانت الصين تقوم بتجربة تطوير أسواق الرنمينبي في الخارج في مراكز مالية رئيسية، كوسيلة للتغلب على سيولة عملتها المحدودة.

غير أن بناء مثل هذا النظام المتعدد العملات يتطلب أن يتعهد العالم إصلاحات بعيدة المدى للمؤسسات الدولية. وكانت هذه هي النقطة على وجه التحديد التي أثارها تشو شياو تشوان محافظ بنك الشعب الصيني في خطاب ألقاه عام 2009 تحدى فيه الرأي القائل بأن الولايات المتحدة وحدها القادرة على ضمان عمل النظام النقدي الدولي من خلال الدولار.

وكما أشار تشو، فإن الهيمنة النقدية التي يتمتع بها الدولار الأميركي تقوم على مؤسسات بريتون وودز، التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فإن إصلاح النظام النقدي الدولي يعني إصلاح إدارة المؤسسات المالية المتعددة الأطراف ــ وهي الحجة التي أكدت عليها الصين خلال رئاستها لمجموعة العشرين العام المنصرم.

مع انسحاب الولايات المتحدة من الساحة العالمية ونشوء نظام عالمي متعدد الأطراف، قد يتحول النظام النقدي الدولي ــ ولكن ليس إلى نظام يقوده الرنمينبي في الأرجح. وسواء كان ذلك بسبب الضعف المتأصل في التمويل الدولي الصيني أو الفهم السائد بأن العملة الدولية الحقيقية لابد أن تكون أكثر انقيادا للسوق من الرنمينبي الذي تسيطر عليه الحكومة، فإن حتى الصين لا تتوقع قدوم عصر دبلوماسية الرنمينبي في أي وقت قريب.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/zgUQcyv/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now