16

البريكسيت  ومستقبل أوروبا

باريس - لا أحد يعرف حتى الآن متى ستُقدم المملكة المتحدة أجندة التفاوض بشأن انسحابها من الاتحاد الأوروبي. ولكن بات من الواضح أنالبريكسيتسيُعيد تشكيل خريطة أوروبا، ولاسيما على ضوء عدم استعداد بريطانيا المذهل لتحمل عواقب قرارها الخاص - إستراتيجيتها وأولوياتها، وحتى الجدول الزمني لا يزال غير مؤكد - فعلى الاتحاد الأوروبي معرفة كيفية الاستفادة من هذا الوضع. إليكم الطريقة.

دعونا نبدأ بما هو مؤكد: سوف تكون مفاوضاتالبريكسيتطويلة ومعقدة وضارة، وسوف يكون للطلاق آثارا جيوسياسية بعيدة المدى. ولعل التأثير المباشر هو وقف 60 عاما من التكامل الشامل. وستعاني أوروبا على المدى القصير والمتوسط ، حيث من المحتمل أن يستهلك  البريكسيت طاقة سياسية كبيرة على مدى السنوات الخمس المقبلة، في الوقت الذي يتعين على الاتحاد الأوروبي توحيد صفوفه لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. أما على المدى الطويل، فمن المرجح أن يُسرع البريكسيت خروج أوروبا من المراكز  العليا لصنع القرار العالمي.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ولن تنجو بريطانيا من هذه العواقب. وإذا استطاعت مغادرة الاتحاد الأوروبي، فلا يمكن إعادة توطينها بعيدا عن أوروبا.

ولهذا السبب، وعلى الرغم من أن شركاء بريطانيا الأوروبيين لم يختارواالبريكسيت، عليهم إدارة عواقبه بنجاح، وهو ما سيتطلب تحقيق التوازن بين هدفين:  الهدف التكتيكي هو التوصل إلى اتفاق مع بريطانيا للحفاظ على سلامة الاتحاد الأوروبي. والهدف الاستراتيجي يكمن في الحفاظ على الازدهار والنفوذ في أوروبا.

وانطلاقا من هذه الأفكار شاركت مؤخرا، مع زملاء أوروبيين - كل منا بصفته الفردية - في نشر ورقة نقترح فيها مفهوما جديدا لأوروبا خلال 10 إلى 20 سنة القادمة: شراكة قارية تهدف إلى  خلق أسس جديدة لاستمرار السياسات الاقتصادية والخارجية والتعاون الأمني مع المملكة المتحدة.

وتضم الفكرة الاقتصادية الأساسية نموذجا لعلاقة أقل عمقا من عضوية الاتحاد الأوروبي، ولكنها أقرب إلى  اتفاقية التجارة الحرة. وإذا اعتمدت بريطانيا والاتحاد الأوروبي هذا النموذج فإن ذلك سيمكنهما من الحفاظ على العلاقات الاقتصادية وتوفير نموذج جديد للعلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه: مثل النرويج، سويسرا، تركيا، أوكرانيا، وبلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط .

ويجب أن يُوضح أي اقتراح حول مستقبل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة معنى استفتاءالبريكسيت، الذي يهدف إلى شيئين اثنين: الحد من تدفق العمال من الاتحاد الأوروبي، وإنهاء السيادة المشتركة لكونهما أمران مستحيلان قانونيا.

ولابد من اتخاذ هذين القيدين السياسيين كأمر مُسَلم به. وبموجب القيد الأول لا يمكن لأي ترتيب دائم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي أن يشمل حرية حركة العمالة. ويمنع القيد الثاني المساهمة في النظام السياسي المشترك، وبالتالي يجب على أي تعاون الاستناد إلى الاتفاقات الحكومية الدولية.

ويُعد القيد الأول بمثابة حجر عثرة خطير لأن الاتحاد الأوروبي يعتمد على حرية حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمال. ويدعي شركاء بريطانيا الأوروبيين بإصرار أن هذه الحريات الأربع غير قابلة للتجزيء، وأنه إذا أرادت بريطانيا الحفاظ على حرية الوصول إلى السوق القارية لمعالجة البيانات، والخدمات المالية، فلا بد لها أن تسمح بدخول العمال البولنديين أو الايرلنديين إلى سوق العمل.

وتُعتبر حرية حركة العمال جزء لا يتجزأ من الاتحاد الأوروبي. والواقع أن الحق الأساسي في الاستقرار والعمل في بلد أجنبي من دون ترخيص لا يوجد في أي مكان آخر في العالم. وبالنسبة للملايين، يجسد هذا الحق معنى الاتحاد الأوروبي.

لكن بريطانيا اتخذت مسارها، والسؤال الذي ينبغي طرحه الآن هو: هل يمكن الحفاظ على الروابط الاقتصادية القوية  دون حرية حركة العمالة؟ الجواب على هذا السؤال هو نعم من وجهة نظر اقتصادية صرفة: سوق متكاملة للسلع والخدمات ورأس المال لا تتطلب انتقال العمالة الشامل. ما نحتاجه هو فقط التنقل المؤقت الكافي لمرافقة تكامل أسواق الخدمات.

وبعبارة أخرى، فإن حرية تنقل العمال داخل الاتحاد الأوروبي أمر ضروري سياسيا ، ولكن يمكن الاستغناء عنه اقتصاديا عند التعامل مع بلدان أخرى. وليس من الضروري  إدراج حركة العمالة في الاتفاقية الاقتصادية مع بريطانيا.

القيد الثاني مختلف تماما. على عكس سوق للمسامير أو البراغي، يجب أن تقوم سوق الخدمات المالية أو المعلومات على أساس تشريعات دقيقة تضمن المنافسة العادلة وتحمي الزبناء. ومن مهام الاتحاد الأوروبي إعداد هذا التشريع. لذا فإن السؤال المطروح هو كيف يمكن للمنتجين البريطانيين الدخول إلى سوق الاتحاد الأوروبي (والعكس بالعكس) إذا لم يشاركوا في إعداد التشريع.

وسيكون حل هذا اللغز أحد الأهداف الرئيسية للشراكة القارية. وبذلك، ستشارك بريطانيا في سلسلة من المشاورات المتعددة الأطراف حول مشروع قانون الاتحاد الأوروبي، وسيكون لها الحق في إثارة المخاوف واقتراح التعديلات، وغالبا ما ستكون الحلول بالتراضي. وعلى الجانبان الالتزام سياسيا بالتشاور. ومع ذلك، سيكون القول الفصل للاتحاد الأوروبي، بحيث ستطبق قوانينه وسيتم الالتزام بها.

ومن أجل الاستفادة الكاملة من سوق الاتحاد الأوروبي، تحتاج بريطانيا إلى الاتفاق على مجموعة من السياسات الضرورية لبناء سوق متكاملة: على سبيل المثال، قواعد المنافسة، وحماية المستهلك، والحقوق الاجتماعية الأساسية، والقواعد الضريبية، مع تجنب التجاوزات كتلك التي ارتكبتها شركة "آبل" في الآونة الأخيرة. كما ستحتاج بريطانيا  إلى المساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، التي منها ستُصرف الأموال المخصصة للتنمية (مقابل الوصول إلى السوق الواحدة).

ويعتبر بعض المعارضين أن الصفقة ستكون قاسية جدا بالنسبة لبريطانيا. ولكن هل ستكون المملكة المتحدة أفضل حالا إذا تعذر عليها الوصول إلى السوق الأوروبية، شريكها التجاري الرئيسي؟

في حين، يشعر آخرون بالقلق إزاء إمكانية ضياع سلطة صنع القرار من يد الاتحاد الأوروبي خلال التشاور مع البلدان الأجنبية. ولكن كيف يمكن للأقلية التي لا تصوت - بريطانيا وغيرها – أن تهيمن على الأغلبية التي لها حق التصويت؟

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ولا يزال البعض يزعم أن مثل هذا التوافق من شأنه دفع الاتحاد للتنازل كثيرا لبريطانيا ودول أخرى، مشجعا بذلك بلدان أخرى لطلب وضعية مشابهة، مما سينتج عنه تفتيت الاتحاد الأوروبي. ولكن كيف سيكون عضو في الاتحاد الأوروبي أفضل حالا بالالتزام بالقواعد والمساهمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي دون أن يكون له خيار في تقرير السياسات؟ وعوض تقويض التكامل الأوروبي، يمكن لشراكة قارية تقوية الاتحاد الأوروبي.

وسيدفع الجميع ثمنا لذلك دون شك. لكن سيكون أقل بكثير من تكلفة غياب شراكة قارية، مما سيقوض الازدهار ويقلص النفوذ العالمي .