21

إعادة كتابة سيناريو السياسة النقدية

ميونيخ ــ تُرى إلى متى قد تستمر البنوك المركزية الكبرى في الاعتماد على قواعد صارمة للسيطرة على التضخم وحفز النمو؟ نظرا للفوائد الواضحة المترتبة على السياسة النقدية الرشيقة الذكية، ينبغي لمحافظي البنوك المركزية أن ينتبهوا إلى الإمكانيات التي تتيحها المرونة.

كانت القاعدة الأساسية لصناع السياسات النقدية منذ زمن بعيد تتلخص في ضرورة تحديد أسعار الفائدة القصيرة الأجل عند مستوى يحفز الإنفاق والاستثمار ما دام التضخم أقل من نطاقات الهدف الرسمي. وكان هذا النهج يعني اضطرار البنوك المركزية بمجرد انخفاض أسعار الفائدة إلى الصِفر أو اقترابها منه إلى تفعيل برامج ضخمة لشراء الأصول والتي يفترض أن تحفز الطلب. وعندما تدعو الظروف إلى هذا، يذهب صناع السياسات بالضرورة إلى النصوص المحددة سلفا من النماذج الاقتصادية النيوكينزية (التي وضعها أتباع جون ماينارد كينز بعد الحرب العالمية الثانية).

ولكن هذه النصوص والكتابات ضللتنا في العديد من الحالات، لأنها تفترض أن السياسة النقدية تخلف تأثيرا يمكن التنبؤ به وقياسه على الطلب والتضخم. وهناك العديد من الأسباب التي تدعونا إلى التشكيك في هذا الافتراض.

فبادئ ذي بدء، لم تستجب الأسر لأسعار الفائدة الشديدة الانخفاض بالإقلال من الادخار والإكثار من الإنفاق. فإذا لم يعد الادخار قادرا على توليد أي عائد، لا يستطيع الناس تحمل تكلفة السفر أو الترفيه أو برامج التقاعد في المستقبل. وعلى نحو مماثل، تواجه الشركات اليوم قدرا كبيرا من عدم اليقين والكثير من المخاطر حتى أن تكاليف رأس المال المتزايدة الانخفاض لا تكفي لدفعها إلى زيادة استثماراتها.

من السهل أن نفهم السبب وراء جاذبية الصيغ المحددة سلفا في نظر صناع السياسات النقدية، على الرغم من البيانات. يقول الرأي السائد إن إعادة معدل التضخم إلى المستوى المفضل تستلزم إزالة أي تراخ أو فتور في الاقتصاد. ويتطلب هذا دفع أسعار الفائدة إلى أدنى مستوى ممكن، وعندما تبلغ هذه السياسات منتهاها (فتتراجع أسعار الفائدة إلى المستوى السلبي)، يصبح من الضروري الاستعانة بأدوات غير تقليدية مثل "التيسير الكمي" لإنعاش النمو والتضخم. وقد أصبح هذا النموذج مقبولا على المستوى العالمي ــ وأصبحت محاكاة النماذج التي تقوم عليها قرارات البنوك المركزية معقدة ــ حتى لم يعد أحد على استعداد للتشكيك فيها. وبات من قبيل تدنيس المقدسات أن تفكر البنوك المركزية أو خبراء الاقتصاد في هذا.

الحق أن البنوك المركزية لا تنكر تماما التكاليف الاقتصادية التي تنطوي عليها هذه السياسات: الفائض في الأسواق المالية، وفجوات التمويل في أنظمة معاشات التقاعد الممولة، واتساع فجوة التفاوت في الثروات، على سبيل المثال لا الحصر. ولكن هذه التكاليف تُعَد ثمنا مقبولا للوصول إلى مستوى تضخم محدد بوضوح.

بيد أن السياسات التي انتهجت في السنوات الأخيرة لم تترك أي مجال للعوامل غير الملموسة ــ البيئة السياسية غير المستقلة، أو الهزات الجيوسياسية، أو ارتفاع المخاطر في الأسواق المالية ــ التي قد تجعل النماذج تنحرف عن مسارها. وكما أوضحت أزمة 2008 المالية، كان التوزيع الطبيعي للمخاطر غير مجد في تزويدنا بتوقعات معقولة.

لم يَكُف جون ماينارد كينز قَط عن التحذير من أن السياسة النقدية تصبح غير فعّالة إذا بلغ عدم اليقين المستوى الكافي لزعزعة استقرار توقعات المستهلكين والمستثمرين. ومن المؤسف أن العديد من البنوك المركزية نسيت هذا التحذير. فلجأ كل من بنك اليابان، وبنك إنجلترا، والبنك المركزي الأوروبي إلى فرض قواعد سياسية جامدة. وإذا فشلت السياسات التوسعية في إحداث التأثير المرغوب المتمثل في رفع التضخم إلى المستوى المحدد مسبقا بنحو 2%، فإنها لا تناقش مدى صحة نماذجها؛ بل تلجأ ببساطة إلى زيادة الجرعة من نفس السياسات ــ وهو ما تتوقعه الأسواق على وجه التحديد.

في الوقت الراهن، يملك بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مجموعة الأدوات الأكثر مرونة بين البنوك المركزية الكبرى الأخرى. فبالإضافة إلى الضغوط التضخمية، تضع السياسة النقدية التي ينتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي في الحسبان أيضا الإحصاءات الخاصة بتشغيل العمالة، وبيانات النمو، واستقرار الأسواق المالية. ولكن حتى مرونة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أصبحت تحت الحصار. فالآن يناقش المشرعون الجمهوريون كيفية إلزام بنك الاحتياطي الفيدرالي بقواعد سياسية أكثر تقيدا بالنص في إدارة التضخم (استخدام صيغة معروفة بمسمى قاعدة تايلور، والتي تحدد سلفا التغيرات في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عندما يتعلق الأمر بالتضخم وفجوة الناتج). وغني عن القول إن اتخاذ مثل هذه الخطوة خطأ كبير.

الواقع أن البنوك المركزية (ناهيك عن المشرعين)، تتجاهل بفِعل تمسكها بنظرية الكينزية الجديدة درسا كبيرا من عقود من التجريب في مجال السياسات النقدية: فمن غير الممكن التنبؤ بتأثير السياسة النقدية بدرجة كبيرة من اليقين أو الدقة. ولكن الاعتقاد في القدرة على ذلك أمر ضروري لتعزيز مصداقية أهداف التضخم القياسية الآن. وإذا استمرت البنوك المركزية في الفشل في إصابة هذه العلامات الضيقة ("أقل من، ولكن أقرب إلى 2%")، فسوف تنتهي بها الحال إلى الوقوع في فخ التوقعات، حيث تتوقع الأسواق منها تقديم جرعات متزايدة الارتفاع من الدواء النقدي في محاولة محمومة للوصول إلى هدفها.

من الواضح أن مثل هذه السياسات النقدية تفرض على الاقتصاد تكاليف ومخاطر شديدة. كما تقترب البنوك المركزية ذاتها بشكل خطير من التحول إلى شيء أشبه بالوكالات المالية، وهو ما قد يقوض شرعيتها.

ينبغي لأي نموذج جديد وأكثر واقعية أن يتجاهل القواعد المفرطة الصرامة التي تجسد مغالطة مفادها أن السياسة النقدية فعّالة دائما. ولابد أن تعطي البنوك المركزية حيزا أكبر لدمج مخاطر وتكاليف السياسات النقدية. وبالاستعانة بمثل هذا النموذج، يصبح بوسع البنوك المركزية أن تتحرك بعيدا عن أسعار الفائدة السلبية والاضطرار إلى شراء الأصول على نطاق واسع. وسوف تتمكن من تحديد أهداف التضخم بشكل أكثر مرونة، لتجنب الاضطرار إلى التحرك كلما دفعت "أسباب عدم اليقين" مثل انخفاض أسعار النفط أو تعديلات الأجور الضرورية معدل التضخم إلى الارتفاع إلى أعلى من 2% أو الانخفاض إلى ما دون ذلك.

لعل الأمر الأكثر أهمية هو أن يعترف النموذج الجديد بحدود قوة البنوك المركزية وقدرتها على الاستبصار. وهذا من شأنه أن يزيل ذريعة كثيرا ما تختبئ الحكومات خلفها لتجنب إدخال الإصلاحات البنيوية اللازمة حقا لتعزيز النمو في الأمد البعيد.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali