36

انقلاب تركيا المحير

غرناطة ــ تتبع الانقلابات العسكرية ــ الناجحة منها أو الفاشلة ــ نمطا يمكن التنبؤ به في تركيا. إذ تكتسب الجماعات السياسية ــ الإسلامية عادة ــ التي يرى العسكر أنها مُعادية لرؤية كمال أتاتورك لتركيا العلمانية قوة متزايدة. فترتفع حِدة التوترات المصحوبة غالبا بالعنف في الشوارع. ثم تتدخل المؤسسة العسكرية فتمارس ما يزعم العسكر أنه من صلاحياتهم الدستورية لاستعادة النظام والمبادئ العلمانية.

بيد أن الأمر مختلف تماما هذه المرة. فبفضل سلسلة من المحاكمات الصورية التي استهدفت الضباط العلمانيين، تمكن الرئيس رجب طيب أردوغان من إعادة تشكيل التدرج القيادي في المؤسسة العسكرية ووضع رجاله على القمة. وعلى الرغم من سلسلة الهجمات الإرهابية التي هزت البلاد في ظل ظروف اقتصادية متدهورة، لم تبدر أي إشارة إلى اضطرابات في المؤسسة العسكرية أو معارضة لأردوغان. بل على العكس من ذلك، لابد أن مصالحة أردوغان مع روسيا وإسرائيل مؤخرا، جنبا إلى جنب مع رغبته الواضحة في الانسحاب من أي دور نشط في الحرب الأهلية السورية، كانت مصدر ارتياح للقيادات العسكرية الكبيرة في تركيا.

ولم يكن أقل من هذا إثارة للحيرة والارتباك سلوك الهواة الذي رأيناه من الانقلابيين، الذين تمكنوا من أسر رئيس هيئة الأركان ولكن من الواضح أنهم لم يبذلوا أي محاولة حقيقية لاحتجاز أردوغان أو أي من كبار الساسة. كما سمحوا لقنوات التلفزيون الرئيسية بمواصلة البث لساعات، وعندما ظهر العسكر في الاستوديوهات، كان انعدام كفاءتهم أقرب إلى الهزل.

وقصفت الطائرات المدنيين وهاجمت البرلمان ــ وهو سلوك غير معهود بالمرة من المؤسسة العسكرية التركية خارج مناطق التمرد الكردي. وكانت مواقع الإعلام الاجتماعي ذاخرة بصور لجنود تعساء (ويبدو بوضوح أنهم لا يدرون ماذا يجري) يُسحَبون من دباباتهم وينتزع منهم سلاحهم (وفي بعض الأحيان ما هو أسوأ كثيرا) من قِبَل حشود مدنية ــ وهي المشاهد التي لم أكن لأتصور قَط أنني قد أراها في دولة أصبحت تكره الانقلابات العسكرية ولكنها رغم ذلك تحب جنودها.