Iranian President Hassan Rouhani delivers a speech Anadolu Agency/Getty Images

إنقاذ اتفاق إيران النووي

مدريد ــ وفقا لإحدى القواعد القائمة على الخبرة والتجربة في الدبلوماسية: إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن قضية ما، فما عليك إلا أن تعمل على توسيع نطاق المناقشة. اليوم، ربما تكون الولايات المتحدة عازمة على قلب هذا المبدأ رأسا على عقب، فتعمل على توسيع نطاق المناقشة بهدف تدمير اتفاق قائم بالفعل. وهو ليس أي اتفاق. الواقع أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تريد تفكيك الاتفاق النووي مع إيران. ولكن في حين وَصَف ترمب الاتفاق على أنه "مصدر خزي وحرج" في خطابه أمام الأمم المتحدة، فإن الاتفاق الذي توصل إليه المجتمع الدولي مع إيران يُعَد في واقع الأمر واحدا من أهم الإنجازات الدبلوماسية في العقد المنصرم.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كانت إيران دوما دولة صعبة المراس في المفاوضات الدولية. ومع توزع القوة بين مجموعة لا حصر لها من القوى والشخصيات التي كثيرا ما تتعارض أو حتى تتنافس في ما بينها، يُصبِح من الصعب للغاية فهم بيئة التفاوض، ناهيك عن الإبحار عبرها.

في هذا السياق، يُعَد التوصل إلى "صفقة كبرى" من شأنها أن تعالج كامل نطاق سلوك إيران الضار المزعج ــ ليس برنامجها النووي والصاروخي فحسب، بل وأيضا دعمها للإرهاب الدولي، وزعزعتها للاستقرار الإقليمي، وانتهاكها لحقوق الإنسان ــ أمرا غير واقعي. فلابد من الإبقاء على موضوع البحث ضيقا وقائما بذاته قدر الإمكان، للوصول إلى أي نتيجة حقيقية.

كان هذا هو النهج في التعامل مع المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني. والواقع أن "خطة العمل الشامل المشتركة" الناتجة عن ذلك تسمية مغلوطة. فهي لا تعالج برامج الأسلحة المرتبطة بالأنشطة النووية ولا تضمن عمليات التفتيش في المنشآت العسكرية، وأغلب نصوصها ستكون سارية المفعول لمدة عشر سنوات فقط.

ولكن لم يكن من المفترض أن تغطي خطة العمل الشامل المشتركة كل شيء. بل كان المقصود منها بدلا من ذلك إبعاد التهديد الوجودي المتمثل في برنامج إيران النووي عن طاولة التفاوض لفترة كافية لبناء أساس لمشاركة أكثر إيجابية وكفيلة بتحقيق التقدم على جبهات أخرى. كان الاتفاق بداية، وليس غاية في حد ذاته.

ومع ذلك، قبل أن تمر فترة طويلة، ربما تنغلق النافذة الدبلوماسية التي فتحتها خطة العمل الشامل المشتركة. ذلك أن الرئيس مُطالَب بموجب القانون الأميركي بالشهادة أمام الكونجرس كل تسعين يوما بأن إيران لم تنتهك الاتفاق، وأن استمرار تعليق العقوبات أمر "بالغ الأهمية للمصالح الأمنية الوطنية" للولايات المتحدة. وفي أوائل سبتمبر/أيلول، اقترح سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هالي أن نسف الاتفاق لن يكلف ترمب سوى الزعم ببساطة أن أفعال إيران الشريرة الأخرى ضارة بالقدر الكافي لاستحقاق العقوبات. كان الهدف من خطة العمل الشامل المشتركة إبعاد القضية النووية عن طاولة التفاوض لتمكين الأطراف من معالجة كل شيء آخر. وإذا أعادت الولايات المتحدة كل شيء آخر إلى طاولة المفاوضات مرة واحدة، فسوف ينهار الاتفاق.

في هذه الحالة، تُصبِح إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات مستحيلة عمليا. ولن تكون الولايات المتحدة منفردة قادرة على فرض عقوبات قوية بالقدر الكافي على إيران لتأمين هذه النتيجة، في حين سيكون من غير المرجح إلى حد كبير أن يعيد الاتحاد الأوروبي ــ المهندس الأساسي لخطة العمل الشامل المشتركة ــ فرض العقوبات على أيران التي تمتثل لالتزاماتها. وبوسع المرء أن يفقد الأمل تماما في عودة روسيا والصين إلى العملية.

من الواضح أن العواقب المترتبة على مثل هذه النتيجة سوف تمتد إلى خارج حدود إيران. إن خطة العمل الشامل المشتركة تُعَد مثالا حديثا نادرا للتعاون الدولي، وهي تُثبِت جدارة نظام العقوبات الواسع القاعدة. فهي في حالتنا هذه توفر دَفعة كبرى للنظام العالمي القائم على القواعد والذي تعتمد عليه أوروبا بشكل خاص. وبالتسبب في زوالها، ربما تلحق إدارة ترمب أشد الضرر بالمبادرات المتعددة الأطراف في المستقبل.

من منظور إقليمي، تُعَجِّل نهاية خطة العمل الشامل المشتركة بتهميش أميركا في الشرق الأوسط. فقد كان اتفاق إيران عنصرا أساسيا في جهود الرئيس باراك أوباما لتخليص الولايات المتحدة من تورطها في المنطقة، حيث وَعَد بتحييد واحد من المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار والذي يستلزم استمرار اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة بالضرورة. ولكن بعيدا عن استعادة الوضع الراهن، ربما يتسبب قتل الاتفاق في جعل أميركا أقل مصداقية في التعامل مع شؤون الشرق الأوسط.

وفي الأمد القريب، ربما تشغل الفراغ الاستراتيجي جزئيا روسيا التي استغلت بالفعل فرصة انسحاب أميركا التدريجي من المنطقة لتعزيز موطئ قدمها هناك. وبعد أن رسخت نفسها باعتبارها قوة محورية من خلال تدخلها العسكري في سوريا، تستخدم روسيا الآن مواردها من الطاقة لتوسيع نفوذها ــ مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب جيوسياسية وأمنية بعيدة المدى.

وبالفعل أبرمت شركة النفط التي تسيطر عليها الدولة، روزنفت، اتفاقات في مصر، وكردستان العراق، وليبيا، في حين كانت نظيرتها زاروبجنفت تلاحق مشاريع تطوير النفط والغاز في إيران. من ناحية أخرى، تمضي شركة الغاز الروسية العملاقة جازبروم قدما في تمديد ما يسمى خط الأنابيب توركستريم. أضف إلى هذا خط أنابيب نورد ستريم المرتقب والذي سيربط روسيا بألمانيا مباشرة، فتتلاشى بسرعة آفاق الاتحاد الأوروبي في ما يتصل بتنويع إمداداته من الطاقة ــ والذي يشكل أهمية بالغة لأمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي.

في الأمد الأبعد، ربما يؤدي غياب الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط إلى إطالة أمد الفوضى والدمار اللذين اتسم بهما هذا العقد من الزمن، مع اشتداد حدة التداعيات على أوروبا. من المؤكد أن هناك سيناريو بديل: فربما تتوصل إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا إلى اتفاق ضمني (أو حتى اتفاق فاعل) بشأن تقسيم النفوذ في المنطقة يقضي باستبعاد الأطراف الخارجية. ولكن نظرا للخصومات التي طال أمدها في المنطقة، فإن نشوء مثل هذا النظام ليس مضمونا على الإطلاق.

ثم هناك العنصر النووي في هذا التحدي. فقد عرضت خطة العمل الشامل المشتركة نموذجا لجهود منع الانتشار، والذي شمل الفصل بين الطاقة النووية ــ المصدر الآمن الجدير بالثقة للطاقة ــ وانتشار الأسلحة النووية. وإذا رُفِض هذا النموذج من قِبَل إدارة ترمب، فإن تطبيقه في المستقبل في أي مكان آخر يُصبِح أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلا.

يدرك القادة الأوروبيون أهمية خطة العمل الشامل المشتركة. والآن يتعين عليهم أن يتخذوا التدابير اللازمة لإنقاذها. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي لهم أن يعملوا على إقامة علاقة مع إيران تتجاوز الولائم والمراسم الرامية إلى تسهيل الاستثمار الأوروبي أو الترويج للشراكة المزمعة في مجال الطاقة، فتعالج قضايا أخرى معلقة، مثل الصواريخ الذاتية الدفع، والإرهاب، وحقوق الإنسان.

إن النجاح يتطلب الحديث الصريح، والمشروطية، والمزيد من العقوبات ــ أجل، المزيد منها. والواقع أن ترمب على حق عندما يؤكد على ضرورة بذل المزيد من الجهد لكبح جماح إيران. ولكن خطة العمل الشامل المشتركة هي التي ينبغي أن تعمل كمنصة لمثل هذا العمل. وهذا هو بيت القصيد.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/jCRDVTD/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now