3

التغذية من أجل النمو

جنيف ــ هذا الأسبوع، يستضيف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي تتولى بلاده رئاسة مجموعة الثماني هذا العام، مؤتمر "التغذية من أجل النمو" في لندن. والواقع أن هذه القضية بالغة الإلحاح. فنحن في احتياج إلى الإرادة السياسية اللازمة لمعالجة مشكلة سوء التغذية الآن، مع الاعتراف بالطعام المغذي كحق أساسي من حقوق الإنسان.

إن سوء التغذية يقتل طفلاً بريئاً كل خمس ثوان، وهو مسؤول عن 11% من العبء العالمي الذي تفرضه الأمراض. وتركز القمة بحق على الروابط المباشرة بين التغذية والإنتاجية، والنمو الاقتصادي، والاستقرار السياسي. والاستثمار في التغذية هو في واقع الأمر استثمار في أجيال من الأطفال في الدول الفقيرة، ويتعين على القمة أن تضع النساء والأمهات في صميم الحلول المقترحة.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ويكتسب هذا أهمية أكبر بسبب طفرة المواليد الجارية الآن ــ ليس في الولايات المتحدة أو أوروبا، بل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق آسيا. إن الأطفال الذين يولدون على مدى السنوات العشرين المقبلة سوف يدخلون مرحلة البلوغ في وقت فريد: فسوف يتفوق السكان العاملون في هذه المناطق على السكان غير العاملين في العدد بواقع اثنين إلى واحد. وهذا يمثل فرصة نادرة لتعزيز النمو الاقتصادي، وإنقاذ الأرواح وتحسن الظروف المعيشية، ومساعدة الأسر والمجتمعات والدول في الانتقال من الفقر إلى الازدهار.

وقد أظهرت أبحاث حديثة أن التغذية قد تعمل كحافز رئيسي للنمو الاقتصادي الشامل، حيث يحقق كل دولار من الاستثمار عائداً يتراوح بين 15 إلى 138 دولار. إن قهر سوء التغذية ليس واجباً أخلاقياً فحسب؛ بل إننا نعلم أيضاً أنه قادر على تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا وآسيا بمعدلات قد تصل إلى 11%.

ونحن نعلم الآن أن إعطاء الأمهات الحوامل وأطفالهن المواد الغذائية الأساسية في فترة الألف يوم الحرجة منذ حدوث الحمل وإلى ثاني عيد ميلاد ل��طفل هو أفضل استثمار في صحة الأمهات والأطفال والمجتمع ككل. والبديل هو التقزم، الذي يبتلي حالياً 165 مليون طفل، وهو رقم مذهل. والواقع أن التقزم أصبح يمثل الوجه الحقيقي للفقر العالمي المعاصر، ويلحق أضراراً لا يمكن إصلاحها بالتنمية الإدراكية للأطفال ونموهم البدني.

وهناك علاوة على ذلك أدلة طبية وافرة تؤكد أن سوء التغذية في "فترة التغذية" هذه يرتبط بزيادات في ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري، بل وحتى البدانة، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية في وقت لاحق من الحياة. ولكن في الهند، وجدت دراسة أجريت في عام 2011 على 112 منطقة ريفية في مختلف أنحاء البلاد أن "أقل من 20% من الأمهات سمعن من قبل المصطلح المقابل لسوء التغذية في لغاتهن المحلية".

في أفريقيا، يتم إنتاج أغلب الغذاء بأيدي نساء مزارعات من أصحاب الحيازات الصغيرة. ومع هذا فإن سوء التغذية منتشر لأن هؤلاء النساء يمتلكن 2% فقط من الأرض ويستطعن الوصول إلى 10% فقط من خدمات الإرشاد المتاحة. وأعيد هنا صياغة ما أخبرني به العديد من النساء المزارعات: "نحن المنتِجات الأساسيات. ولكننا نحصل على أقل القليل في مقابل عملنا الشاق، لأنه بوصول منتجاتنا إلى السوق، يكون الوسطاء قد استولوا على الربح. ولكن أفريقيا سوف تتضور جوعاً إذا قررنا الدخول في إضراب".

إن أي حل لمشكلة الجوع وسوء التغذية لابد أن يضع هؤلاء النساء في صميمه. وأبحاث التنمية الأخيرة لا لبس فيها: فتمكين النساء ورفع دخولهن يسفر عن تعليم وصحة وتغذية أفضل لأطفالهن. ويتعين علينا أن نحمل الأسواق على العمل من أجلهن وأسرهن.

وينبغي للنداء الصادر عن القمة بشأن الوحدة العالمية في مكافحة سوء التغذية أن يكون موجهاً إلى رؤساء الدول، ووزراء المالية والصحة، فضلاً عن رجال الأعمال وزعماء المجتمع المدني. ويتعين علينا أن نجعل النظام الغذائي مسخراً لفائدة جميع المواطنين، وهو ما يتطلب تحركات أقوى من قِبَل كل من هذه الجهات الفاعلة.

وبشكل خاص، يتعين على الحكومات أن تستثمر في التغذية من خلال الميزانيات، وأن تفرض التحصينات إلزامية للمواد الغذائية الأساسية، وتحد من "الوجبات السريعة"، وتعمل على تحسين مرافق مراقبة الجودة.

وعلى نحو مماثل، يتعين على منظمات المجتمع المدني أن تعمل على بناء برامج قوية للدعم والتعليم على أن تعمل مع المجتمعات المحلية من أجل تغيير العادات الغذائية غير الصحية، والتأكيد على الأهمية البالغة للرضاعة الطبيعية الخالصة في أول ستة أشهر من حياة الرضيع، وشرح الصلة بين نمط الحياة، والنظام الغذائي، والتمارين الرياضية في منع الأمراض.

وأخيرا، يتعين على مجتمع المال والأعمال أن يستخدم خبراته في الإدارة والتسويق وتوظيف التكنولوجيا والقدرات اللوجستية لتحسين جودة الأطعمة المغذية وإتاحتها في الأسواق بأسعار معقولة. وعلاوة على ذلك، يتعين على الشركات الكبرى أن تستخدم سلاسل التوريد العالمية في تمكين القوى العاملة والمزارعات من أصحاب الحيازات الصغيرة.

والواقع أن الحلول المحلية الواسعة النطاق بدأت تظهر بالفعل. ففي بنجلاديش، حيث نسبة سوء التغذية من بين الأعلى على مستوى العالم، أصبحت مكملات الفيتامينات والمعادن متاحة الآن ومن الممكن إضافتها إلى العصيدة والحساء. وهناك شراكة قائمة بين مؤسسة "براك"، وهي أكبر منظمة غير حكومية عاملة في مجال التنمية على مستوى العالم، وبين شركة الأدوية ريناتا في بنجلاديش، لإنتاج المكملات الغذائية من حبوب الحمص والعدس المتاحة محليا؛ ثم يعمل عشرات الآلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية على توزيعها.

وعلى نحو مماثل، في ولاية راجاستان الهندية، تعمل الأغذية التكميلية العالية الجودة، المنتجة بواسطة مجموعات غير مركزية من النساء تساعد نفسها ذاتيا، على تحسين تغذية الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 36 شهرا. وفي غانا، ظهر منتج جديد سريع الذوبان مصنوع من الذرة ومكمل بالفيتامينات والمعادن، وأصبح الأول من نوعه في الأسواق، بفضل إتاحته وتكامله الطبيعي مع الرضاعة الطبيعية. ونتيجة لهذا فإن تغذية أكثر من مليون طفل سوف تتحسن أثناء أول ألف يوم من حياتهم.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

نحن في احتياج إلى قدر أعظم من الإبداع في إيجاد الحلول. كما نحتاج إلى إقامة الشراكات التي تستفيد من المعارف والحلول القادمة من المجتمعات المحلية. وفي حين ندرك التزام المملكة المتحدة بتعزيز حركة التوسع في التغذية، التي تتولى الأمم المتحدة تنسيقها، فنحن ندرك أيضاً أن من يجلس إلى الطاولة لتصميم الحلول يقرر من يتناول طعامه على الطاولة في وقت لاحق. ومن خلال الاستثمار الآن في التغذية وتحسين الأمن الغذائي، فسوف يكون بوسعنا بحلول عام 2020 أن ننتشل خمسين مليون إنسان من براثن الفقر، ومنع تقزم عشرين مليون طفل تحت سن الخامسة، وإنقاذ أرواح 1,7 مليون إنسان.

ترجمة: هند علي Translated by: Hend Ali