15

استعادة وعد حكومة التكنوقراط

سنغافورة ــ يبدو أن المزاج السائد في أيامنا هذه هو مزاج التشاؤم. فبعد مرور عام انتُخِب فيه دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة وصوتت المملكة المتحدة لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، يتوقع العديد من المراقبين المزيد من الانتصارات الشعبوية ــ والسياسات الضارة ــ في عام 2017. وإذا أضفنا إلى هذا تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي واشتداد حِدة التوترات الجيوسياسية، يُصبِح من السهل أن نستنتج أن العالم يسلك نفس مسار النزعات القومية وتدابير الحماية الذي أشعل شرارة الحرب العالمية الأولى.

بيد أن هذا يُخطئ بيت القصيد. إذ أن صعود الشعبوية ليس سوى عرض من أعراض فشل القادة السياسيين في معالجة مظالم الناخبين الاقتصادية. وبدلا من الهوس بشأن تدهور الديمقراطية على أيدي القادة السياسيين العاجزين عن الوفاء بوعودهم للناخبين المحبطين، يتعين علينا أن نعكف على تحديد شكل أفضل للحكم قادر على معالجة هذه المظالم. وأقترح هنا التكنوقراطية المباشرة (حكم الخبراء الفنيين).

كما أوضح في كتابي الجديد التكنوقراطية في أميركا، تضمن التكنوقراطية المباشرة تمكين التشاور المنتظم مع الرأي العام من تشكيل عملية صنع القرار من قِبَل لجان من الخبراء الخاضعين للمساءلة. ويجمع هذا النهج بين فضائل الديمقراطية المباشرة وفوائد التكنوقراطية القائمة على الجدارة، والتي تستفيد من البيانات المتاحة في صُنع القرارات المنفعية الطويلة الأمد. الأمر ببساطة أن التكنوقراطية المباشرة تتزاوج مع الأفكار الجيدة والتنفيذ الفعّال.

وهذا النظام ليس افتراضيا بالكامل. فكل من سويسرا المفرطة الديمقراطية وسنغافورة الشديدة التكنوقراطية توظف مبادئها على نحو فعّال. وسِجِل الدولتين مبهر: فكل منهما تتباهى بوفرة الصحة والثروة، وانخفاض مستوى الفساد، وارتفاع معدلات تشغيل العمالة، والخدمات العسكرية والمدنية الوطنية، والاستثمار الحكومي الهائل في الإبداع. وكل منهما تستجيب بكفاءة لاحتياجات وتفضيلات المواطنين، وتوظف الخبرة الدولية في صنع السياسات المحلية، وتستخدم البيانات والسيناريوهات البديلة للتخطيط الطويل الأمد.