Students gather as they demonstrate against the position of the Spanish government Dan Kitwood/Getty Images

من ينفصل، وأين، ومتى؟

كمبريدج ــ هذا الأسبوع، صَوَّت الأكراد في شمال العراق بأغلبية ساحقة لصالح استقلال إقليم كردستان عن البلاد. يبلغ عدد الأكراد ثلاثين مليون نسمة، وهم مقسمون بين أربع دول (العراق، وتركيا، وسوريا، وإيران)، ويزعم القوميون أنهم يستحقون اعتراف العالَم. وفي أسبانيا، يثير نحو 7.5 مليون كتالوني نفس القضية.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ولكن هل من المهم أن نعرف أن استطلاعات الرأي تُظهِر أن أهل كتالونيا، على عكس الأكراد، منقسمون إلى حد بعيد حول هذه القضية. وهل من المهم أن نعرف أن الدول المتاخمة لكردستان ربما تستخدم القوة لمقاومة الانفصال؟

الواقع أن تقرير المصير الوطني ذاتيا، وهو المبدأ الذي وضعه الرئيس الأميركي وودرو ويلسون على الأجندة الدولية في عام 1918، يُعَرَّف عموما عل أنه حق أي شعب في تشكيل دولته. ولكن من تكون "الذات" التي تقرر هذا المصير؟

لنتأمل هنا حالة الصومال، الذي كان شعبه، على عكس شعوب أغلب الدول الأفريقية المستقلة حديثا، ينتمي تقريبا إلى نفس الخلفية اللغوية والعِرقية. تشكلت كينيا المجاورة على يد الحكم الاستعماري من عشرات الشعوب أو القبائل. وقد زعم الصومال أن مبدأ تقرير المصير ينبغي أن يسمح للصوماليين في شمال شرق كينيا وجنوب أثيوبيا بالانفصال. ورفضت كينيا وأثيوبيا، فأسفر ذلك عن عدد من الحروب الإقليمية حول المسألة الوطنية الصومالية.

وكانت النتيجة التي لا تخلو من مفارقة أن الصومال ذاته تجزأ في وقت لاحق في خضم حرب أهلية دارت رحاها بين عشائره وقادته من أمراء الحرب. واليوم أصبح إقليمه الشمالي، أرض الصومال، دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع، رغم أنه يفتقر إلى الاعتراف الدولي أو عضوية الأمم المتحدة.

الواقع أن التصويت لا يحل دائما مشاكل تقرير المصير. فأولا هناك مسألة تحديد مكان التصويت. ففي أيرلندا على سبيل المثال، اعترض الكاثوليك لسنوات عديدة على أنه إذا جرى التصويت داخل المنطقة السياسية في شمال أيرلندا، فإن الغَلَبة ستكون للأغلبية البروتستانتية التي تشكل الثلثين. ورد البروتستانت بأنه إذا جرى التصويت داخل المنطقة الجغرافية للجزيرة بالكامل، فسوف تكون الغَلَبة للأغلبية الكاثوليكية. وفي نهاية المطاف، بعد عقود من الصراع، ساعدت الوساطة الخارجية في جلب السلام إلى أيرلندا الشمالية.

وهناك أيضا مسألة متى يُعقَد التصويت. في ستينيات القرن العشرين، أراد الصوماليون التصويت فورا؛ وأرادت كينيا الانتظار لمدة أربعين أو خمسين عاما حتى يتسنى لها إعادة تشكيل الولاءات القَبَلية وصياغة الهوية الكينية.

تتمثل مشكلة أخرى في كيفية وزن مصالح أولئك المتخلفين عن الركب. فهل يلحق الانفصال الضرر بهم من خلال حرمانهم من الموارد أو التسبب في ارتباك من نوع آخر؟ تحتفظ كردستان العراق بقدر كبير من الاحتياطيات النفطية، وتشير التقديرات إلى أن كتالونيا تمثل 20% من الناتج المحلي الإجمالي الأسباني. وتزعم حكومة أسبانيا أن التصويت المقبل على الاستقلال في كتالونيا غير قانوني بموجب الدستور الأسباني.

والتاريخ ليس مشجعا في هذا الصدد. فبعد تفكك إمبراطورية هابسورج في عام 1918، جرى ضم منطقة سوديتنلاند إلى تشيكوسلوفاكيا، حتى برغم أن أغلب الناس هناك كانوا يتحدثون اللغة الألمانية. وبعد التوصل إلى اتفاق في ميونيخ مع أدولف هتلر في عام 1938، انفصل الألمان في سوديتنلاند عن تشكوسلوفاكيا وانضموا إلى ألمانيا. ولكن خسارة الحدود الجبلية حيث كانوا يعيشون مثلت نكسة شديدة للدفاعات التشيكية. فهل كان من الصواب السماح للألمان في منطقة سوديتنلاند بتقرير المصير، حتى ولو كان ذلك يعني تجريد تشيكوسلوفاكيا (التي مزقتها ألمانيا بعد ستة أشهر) من دفاعاتها العسكرية؟

ومن أفريقيا مثال آخر، عندما قرر أهل شرق نيجيريا الانفصال وتشكيل دولة بيافرا في ستينيات القرن العشرين، فقاوم النيجيريون الآخرون ذلك، وهو ما يرجع جزئيا إلى أن بيافرا كانت تضم أغلب النفط النيجيري. وقد زعموا أن النفط ينتمي إلى كل شعب نيجيريا، وليس المنطقة الشرقية فحسب.

وبعد نهاية الحرب الباردة، أصبح تقرير المصير قضية حادة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق. ففي القوقاز، طالب كل من الأذربيجانيين، والأرمن، والجورجيين، والأبخازيين، والشيشان بدولة مستقلة.

وفي يوغوسلافيا، تمكن السلوفينيون، والصرب، والكروات من اقتطاع جمهوريات مستقلة، ولكن المسلمين في البوسنة والرهسك كانوا أقل نجاحا، وأُخضِعوا لحملة "تطهير عِرقي" من جانب كل من القوات الكرواتية والصربية.

في عام 1995، أرسِلَت قوة لحفظ السلام تابعة لمنظمة حلف شمال الأطلسي إلى المنطقة المضطربة، ولكن عندما تدخل حلف شمال الأطلسي عسكريا في كوسوفو في عام 1999، أيدت روسيا اعتراضات صربيا على الانفصال، وحتى الآن لم تُقبَل كوسوفو في الأمم المتحدة. وفي المقابل، استندت روسيا إلى مبدأ تقرير المصير لدعم انفصال أبخازيا عن جورجيا في عام 2008، وفي عام 2014 غزت شبه جزيرة القرم وضمتها إليها.

لقد تبين لنا أن تقرير المصير مبدأ أخلاقي غامض. ويبدو أن ويلسون تصور أنه كفيل بجلب الاستقرار إلى أوروبا الوسطى؛ ولكن ما حدث بدلا من ذلك هو أن هتلر استغل ذلك المبدأ لتقويض الدول الجديدة الهشة في المنطقة في ثلاثينيات القرن العشرين.

ويظل الدرس صالحا اليوم. إن أقل من 10% من دول العالَم متجانسة سكانيا، وهذا يعني أن التعامل مع تقرير المصير باعتباره مبدأً أخلاقيا أوليا وليس ثانويا ربما تترتب عليه عواقب كارثية في العديد من أجزاء العالَم. والواقع أن المجموعات العرقية المعادية تكون غالبا مختلطة ولا يمكن فصلها بدقة. وهذا يجعل التقسيم صعبا، كما اكتشفت الهند في عام 1947، ولعل هذا هو السبب وراء قبول عدد ضئيل فقط من الدول الجديدة في عضوية الأمم المتحدة هذا القرن. على سبيل المثال، بعد انفصالها عن السودان، استمرت الاضطرابات العِرقية داخل دولة جنوب السودان دون انقطاع عمليا.

إن أفضل أمل للمستقبل هو أن نسأل عن المصير المطلوب تقريره ومن سيقرره. في الحالات حيث تتعايش المجموعات في دولة واحدة بصعوبة، ربما يمكن المساح بدرجة من الحكم الذاتي في تقرير الشؤون الداخلية. وتوفر دول مثل سويسرا أو بلجيكا قدرا كبيرا من الاستقلالية السياسية الثقافية والاقتصادية والسياسية لمجموعاتها التأسيسية.

عندما لا يكون الحكم الذاتي كافيا، فربما يكون من الممكن ترتيب الانفصال الودي، كما حدث عندما جرى تقسيم تشيكوسلوفاكيا سلميا إلى دولتين تتمتع كل منهما بالسيادة الكاملة. بيد أن المطالب المطلقة لتقرير المصير تتحول في الأرجح إلى مصدر للعنف، ولهذا السبب لابد أن يكون التعامل معها بحرص شديد. وقبل استحضار مسألة تقرير المصير بوصفها مبدأً أخلاقيا، يتعين علينا أن نلتفت إلى الصيغة الدبلوماسية من قسم أبقراط: "أولا، لا ضرر ولا ضرار".

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/TMpr9ay/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now