13

جريمة بولندا ضد التاريخ

القدس – وصلنا والدي وأنا إلى تل أبيب قبل بضعة أشهر من اندلاع الحرب العالمية الثانية. بقية أسرتي الكبيرة مكثوا في بولندا - ثلاثة من أجدادي، سبعة أشقاء لوالدتي ، وخمسة أبناء العمومة. وتم قتلهم جميعا في المحرقة.

لقد زرت بولندا عدة مرات، ودائما في ظل غياب يهودي. وقد تُرجمت كتبي ومقالاتي إلى اللغة البولندية. وحاضرت في جامعة وارسو وجامعة جاجيلونيان بكراكوف. كما انتخبت مؤخرا عضوا خارجيا في الأكاديمية البولندية للفنون والعلوم. على الرغم من معرفتي الشحيحة للغة البولندية، فإن تاريخ وثقافة هذه البلاد ليست غريبة عني.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

لهذه الأسباب، أدرك لماذا أقدمت الحكومة البولندية مؤخرا على تشريع بشأن القضايا التاريخية. ولكنني غاضب أيضا.

يعتبر البولنديون أنفسهم ضحايا النازية في المقام الأول. ولا يوجد بلد في أوروبا المحتلة عانى على نحو مماثل. وكانت بولندا الدولة الوحيدة التي خضعت للاحتلال الألماني، الذي قام بتصفية المؤسسات الحكومية،  وحل جيشها، وأغلق المدارس والجامعات. ومحا حتى اسمها من الخريطة. في تكرار لتقسيم بولندا في القرن الثامن عشر من قبل روسيا وبروسيا، أدى ميثاق مولوتوف ريبنتروب 1939 إلى الاحتلال السوفيتي لشرق بولندا في أعقاب الغزو الألماني. ولم يبق أي أثر للسلطة البولندية.

التدمير الكامل للدولة البولندية ومؤسساتها جعل من بولندا موقعا مثاليا لمعسكرات الإبادة الألمانية، ذهب ضحيتها ستة ملايين من المواطنين البولنديين - ثلاثة ملايين يهود وثلاثة ملايين بولنديين عرقيين. في كل مكان آخر في أوروبا تسيطر فيه ألمانيا، كان النازيون يتعاملون مع الحكومات المحلية بطريقة معقدة للغاية، إلا إذا كان لأسباب تكتيكية.

لهذا السبب بولندا محقة في الإصرار على أن لا تسمى المخيمات "معسكرات الإبادة البولندية" (حتى الرئيس الأمريكي باراك أوباما أشار لها مرة واحدة عن طريق الخطأ). فقد كانت في الحقيقة مخيمات ألمانية في بولندا المحتلة.

لكن ترتكب الحكومة البولندية الحالية خطأ جسيما من خلال محاولتها تجريم أي إشارة إلى "معسكرات الإبادة البولندية." الأنظمة الغير ديمقراطية وحدها هي التي تستخدم هذه الوسائل، بدلا من الاعتماد على الخطاب العام، وتوضيح التاريخ، والاتصالات الدبلوماسية، والتعليم.

يذهب التشريع الحكومي المقترح إلى أبعد من ذلك، إذ يجعل أي إشارة إلى دَور البولنديين العرقيين في المحرقة جريمة جنائية. كما يشير إلى ما يسمى "الحقيقة التاريخية" بشأن مذبحة اليهود خلال الحرب في بلدةجيدوابني  من قبل جيرانهم البولنديين.

عندما نشر المؤرخ يان كروس دراسته التي تثبت أن البولنديين، وليس الألمان، أحرقوا مئات اليهود وهم على قيد الحياة في بلدة جيدوابني، عانت بولندا بطبيعة الحال أزمة ضمير كبيرة. وتقبل اثنان من الرؤساء البولنديين، الكسندر كفاسنيفسكي وبرونيسلاف كوموروفسكي، النتائج واعتذرا للضحايا علنا. كما قال كوموروفسكي إنه "حتى في أمة من الضحايا، يبدو أن هناك قتلة." الآن، ومع ذلك، تزعم السلطات أن هذه المسألة يجب أن يعاد فيها النظر، داعية إلى إخراج الجثث من المقابر الجماعية لتشريحها.

وجهات نظر الحكومة وأيديولوجيتها هي مسألة بولندية داخلية. ولكن إذا كان الغرض هو التعتيم على أو نفي الجوانب الإشكالية للتاريخ البولندي، فإن حتى أولئك الذين يتعاطفون مع ألم  بولندا قد يثيرون تساؤلات حول ذلك، تقديرا للمعاناة الرهيبة للبولنديين، وحتى الآن تم تجاهلها إلى حد كبير. هذه الأسئلة ليست تافهة ولا توجه إلى سلوك الأفراد. بل هي تتعلق بقرارات وطنية.

السؤال الأول يتعلق بتوقيت انتفاضة وارسو في أغسطس/ آب 1944. أوضح البولنديون عن حق أن الجيش الأحمر، والذي وصل إلى فيستولا، لم يساعد المقاتلين البولنديين، بل سمح فعلا للألمان بقمع التمرد - واحدة من تكتيكات ستالين الساخرة.

ولكن لماذا تدخل الجيش السري البولندي (أرميا كراجوفا، أو الجيش الوطني)، الذي كانت تسيطر عليه الحكومة البولندية في المنفى بلندن ، عندما تراجع الألمان بالفعل، وتم تحرير شرق بولندا، وكان الجيش الأحمر بصدد تحرير وارسو نفسها؟ التفسير البولندي الرسمي هو أن الانتفاضة ضد الألمان كانت أيضا ضربة وقائية ضد الاتحاد السوفيتي، تهدف إلى ضمان أن البولنديين، وليس السوفيات، هم من حرروا وارسو.

وهذا قد يفسر (لكنه لا يبرر) رفض السوفيات مساعدة البولنديين. ما زالت بعض الأسئلة قائمة: لماذا انتظر الجيش الوطني أكثر من أربع سنوات لينتفض ضد الاحتلال الألماني؟ فلماذا لم يمنع الإبادة المنهجية لثلاثة ملايين يهودي، جميعهم مواطنون بولنديون، أو يتدخل خلال الانتفاضة اليهودية في الغيث، حي اليهود في وارسو، في أبريل 1943؟

ويسمع المرء أحيانا خلافات حول عدد بنادق الجيش الوطني التي أرسلت - أو لم ترسل - للمقاتلين في الحي اليهودي. ولكن ليس هذا هو السؤال. لقد استغرق قمع الألمان لانتفاضة هذا الحي في وارسو أسابيع. على "الجانب الآري" رأى وسمع البولنديون ما كان يحدث - ولم يفعلوا شيئا.

لا يمكننا معرفة النتيجة لو التحق الجيش الوطني باليهود - وليس فقط في وارسو ولكن في جميع أنحاء بولندا المحتلة، حيث أنها أعدت الآلاف من أعضائها لانتفاضة محتملة. ما هو مؤكد هو أنالجيش النازي وجد صعوبة كبيرة في تصفية الحي اليهودي. علاوة على ذلك، فالانضمام إلى ما كان يعتبر "انتفاضة يهودية" لربما كان دليلا قويا للتضامن مع اليهود البولنديين. والنقطة الأساسية هي أنه يمكن التشكيك بصفة مشروعة في البعد الأخلاقي للانتفاضة لمنع السوفييت من تحرير وارسو، في حين لم يتحرك الجيش لمنع إبادة ثلاثة ملايين من اليهود البولنديين والانضمام إلى انتفاضة الحي اليهودي.

و يُثير هذا الأمر سؤالا آخر تم تجنبه لمدة طويلة. فبحلول مارس 1939، أدركت الحكومتان البريطانية والفرنسية أن استرضاء هتلر شيء مستحيل: بعد تدميرها لتشيكوسلوفاكيا، اجتاحت ألمانيا النازية بولندا. في ذلك الربيع، أصدرت بريطانيا وفرنسا قرارا للدفاع عن بولندا ضد الغزو الألماني.

في الوقت نفسه، اقترح الاتحاد السوفيتي على البريطانيين والفرنسيين إنشاء جبهة موحدة ضد العدوان الألماني إزاء بولندا - في أول محاولة لتعزيز التحالف السوفياتي مع الغرب ضد النازية. في أغسطس/آب 1939، سافر وفد عسكري أنجلو فرنسي إلى موسكو، حيث وضع رئيس الوفد السوفياتي، وزير الدفاع كليمنت فوروشيلوف، سؤالا بسيطا على الضباط الغربيين: هل ستقبل الحكومة البولندية دخول القوات السوفياتية، والذي ستكون ضروريا  لصد الغزو الألماني؟

بعد أسابيع من التردد، رفضت الحكومة البولندية. ويقال أن وزيرا في الحكومة البولندية طرح هذا السؤال: "إذا دخل الجيش السوفياتي إلى بولندا، هل لنا معرفة متى  سيغادر؟" بعد ذلك انهارت المحادثات البريطانية الفرنسية و السوفياتية، وبعد أيام قليلة تم التوقيع على ميثاق مولوتوف ريبنتروب.

ويمكن للمرء أن يفهم الموقف البولندي: بعد استعادة الاستقلال في عام 1918، وجدت بولندا نفسها في حرب وحشية مع الجيش الأحمر، الذي كان ينوي احتلال وارسو. وساعد الدعم العسكري الفرنسي الوحيد في صد الروس وحفظ استقلال بولندا. وفي عام 1939، بدا أن بولندا كانت تخشى الاتحاد السوفياتي أكثر من ألمانيا النازية.

لا أحد يستطيع معرفة ما إذا كان بإمكان  بولندا تجنبت الاحتلال الألماني لو وافقت على دخول الجيش الأحمر أثناء وقوع الغزو، ناهيك عن تجنب الحرب العالمية الثانية أو المحرقة. ولكن من المعقول أن نرى أن الحكومة قامت بأخطر خيارات مصيرية وكارثية في تاريخ بولندا. بطريقة أو بأخرى، فإن موقفها أدى إلى ميثاق مولوتوف ريبنتروب ، وجلب ثورة وارسو لعام 1944 التي  كادت تدمر المدينة بالكامل.

بأي حال من الأحوال لا يجب النظر إلى هذا الأمر على أنه محاولة لإلقاء اللوم على الضحية. الذنب الأخلاقي والتاريخي على ألمانيا النازية،  وعلى الاتحاد السوفياتي أيضا،. ولكن إذا كانت الحكومة البولندية الحالية ترغب في إعادة النظر في التاريخ، فيجب تناول هذه القضايا على أوسع نطاق. إن الأمة وقادتها مسؤولون عن عواقب قراراتهم.

في الآونة الأخيرة، قمت بزيارة لبولان، المتحف اليهودي في وارسو، التي أنشأه الرئيس كفاسنيفسكي. لقد تأثرت بعمق ليس فقط من ثراء وعرض المواد، ولكن أيضا من التطور والنزاهة التاريخية التي يقوم عليها المشروع بأكمله: من دون اليهود، كما أوضح المعرض، فإن بولندا لن تكون هي بولندا.

Fake news or real views Learn More

غير أن المتحف يظهر أيضا الجانب المظلم من هذا التاريخ المتشابك، وخصوصا ظهور حزب الراديكالي القومي رومان دمووسكي، حزب"إنديشجا"المعادي للسامية، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقال لي الصديق الغير اليهودي الذي رافقني: "الآن هو الوقت المناسب لبناء متحف بولندي حسب معيار المقارنة."

كان صديقي على حق. لكن الحكومة البولندية الحالية تسير على طريق خاطئ وغير حكيم. كما أظهرت ألمانيا نفسها، فأحسن وسيلة لحماية بولندا لنفسها هي أن تتعامل مع الحقيقة.