FILIPPO MONTEFORTE/AFP/Getty Images

صيف طويل حار في إيطاليا

ستوكهولم ــ لا ينبغي للاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تغذي الأزمة الحالية في إيطاليا أن تفاجئ أحدا. بل على العكس من ذلك، كان المجهول الوحيد هو متى تبلغ الأمور ذروتها. والآن بلغت ذروتها.

الواقع أن نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا في عام 2018 كان أقل بنحو 8% من المستوى الذي كان عليه في عام 2007، وهو العام الذي سبق الركود العظيم الذي أحدثته الأزمة المالية العالمية. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2023 إلى أن إيطاليا لن تتعافى بشكل كامل حتى بحلول ذلك التاريخ من خسائر الناتج المتراكمة طوال العقد المنصرم.

بين الاقتصادات المتقدمة الإحدى عشرة التي ضربتها أزمات مالية حادة في الفترة من 2007 إلى 2009، عانت اليونان فقط من كساد اقتصادي أعمق وأطول. وتحمل اقتصاد اليونان وإيطاليا عبء الديون الأعلى عند بداية الأزمة (109% و102% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي)، الأمر الذي جعلهما في وضع أسوأ من أن يسمح لهما بالتغلب على الصدمات المعاكسة الكبرى. ومنذ اندلاع الأزمة قبل نحو عشر سنوات، تسبب الركود الاقتصادي ونقاط الضعف المكلفة التي تعيب النظام المصرفي في دفع أعباء الديون إلى مستويات أعلى، على الرغم من عقد كامل من أسعار الفائدة المنخفضة إلى حد غير عادي.

واجهت اليونان بالفعل أكثر من "حدث ائتماني" واحد، وفي حين تعرضت إيطاليا أيضا لشبه كارثة مرتين، فإن ربيع 2018 كان الفترة الأكثر عنفا حتى الآن. وربما يكون الصيف أسوأ، وهو ما قد يجعل إيطاليا أقرب إلى أزمة ديون سيادية.

على السطح، يبدو أن الدين الحكومي العام استقر منذ عام 2013، عند نحو 130% من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن كما أكدت هنا وفي أماكن أخرى، فإن هذا "الاستقرار" مضلل. ذلك أن الدين الحكومي العام ليس القصة كاملة بالنسبة لإيطاليا، حتى إذا نحينا جانبا أعباء الديون الخاصة والارتفاع المتجدد الأخير في مستويات القروض المصرفية المتعثرة (وهو إرث مروع خلفته الأزمة المالية).

عند تقييم المخاطر السيادية التي تواجه إيطاليا، يتعين علينا أن نضيف ديون البنك المركزي (أرصدة تارجت 2) إلى ديون الحكومة العامة. وكما تُظهِر أحدث البيانات المتاحة (حتى مارس/آذار)، فإن هذه الأرصدة تزيد من نسبة ديون القطاع العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 26%. ومع تخارج العديد من المستثمرين من الأصول الإيطالية، فمن المحتم أن يظهر هروب رأس المال في البيانات الأحدث كثغرة أكبر وفقا لقواعد تارجت 2. ولا يمكن التخلص من هذا الدين من خلال التضخم، كما حدث مع الديون الإيطالية قبل اليورو في عام 1999. وفي هذا الصدد، يشبه هذا الدين إلى حد كبير ديون الأسواق الناشئة المقومة بالدولار: فهو إما يسدد أو تعاد هيكلته.

What do you think?

Help us improve On Point by taking this short survey.

Take survey

الواقع أن عدم اليقين السياسي الحاد على خلفية النمو البطيء المزمن ومستوى الديون السيادية الذي يقترب حاليا من نحو 160% من الناتج المحلي الإجمالي كاف لإشعال شرارة أزمة ديون. بالإضافة إلى هذه الأساسيات، تصب الخطابة الشعبوية حول تقديم شبه عملة أو سندات دين من فئة صغيرة (لتمويل خطط الإنفاق الطموحة والعجز الضخم في الموازنة)، وحول عدم الوفاء بديون بنك إيطاليا، الزيت على النيران المالية.

بدأ عدم الاستقرار في إيطاليا يخلف تداعيات دولية بالفعل، ومن الواضح أن النوبة الحالية من عدم اليقين العالمي لم تنته بعد. ومع ارتفاع العائدات على السندات الإيطالية وتذبذبها مع تكاثر الشائعات، ارتفعت أيضا العائدات على السندات الإسبانية، والبرتغالية، واليونانية. وعلاوة على ذلك، تتوالى فصول القصة الإيطالية مع اقتراب اليونان من التوصل إلى اتفاق في يونيو/حزيران بشأن خروجها في أواخر هذا الصيف من الاعتماد على إطار إنقاذ أوروبا. ولا يملك المرء إلا أن يأمل أن لا تنتقل العدوى السياسية من إيطاليا لكي تزيد من تعقيد هذه المفاوضات.

إن ضعف اليورو يترجم إلى قوة للدولار، مما يعني استمرار تضرر الأسواق الناشئة، وخاصة تلك التي تتحمل أعباء ديون مقومة بالدولار الأميركي. ويعمل الهروب إلى الجودة الذي يصاحب تفشي الاضطرابات المالية على تعزيز التحول بعيدا عن بعض فئات الأصول الأكثر خطورة والتي تشكل الأسواق الناشئة جزءا منها. ولم تسلم أسواق الأسهم الدولية من العدوى.

ولكن كيف تنتهي مثل هذه النوبات عادة؟ الواقع أن النتيجة الأكثر قبولا ــ الحل السريع الذي يضع مصدر العدوى على مسار النمو المستدام ــ تبدو بعيدة الاحتمال في حالة إيطاليا. فنادرا ما تكون عمليات إعادة التفاوض على الديون سريعة: إذ يريد الدائنون الحصول على مستحقاتهم، ويريد المدينون شطب الديون. ووفقا للحالات التي قمت بتوثيقها أنا وكريستوف تريبيش، فإن المفاوضات نادرا ما تنجح من المحاولة الأولى ــ أو حتى الثالثة. وتميل اتفاقيات إعادة الهيكلة الأولية إلى القصور عن بلوغ الحجم اللازم لتحقيق استدامة الدين.

ومع ذلك، من الصعب أن نرى كيف يمكن تجنب إعادة هيكلة ديون إيطاليا بالكامل. صحيح أن البديل ــ الاعتماد على عملية إنقاذ بشكل كامل ــ مغر، لأنه قد يعمل على تهدئة الأسواق مؤقتا. لكن الإنقاذ لن يؤدي إلا إلى ترحيل المشكلة. ولابد أن تعمل حقيقة عدم حل مشاكل ديون اليونان حتى الآن بمثابة إنذار.

في أكثر السيناريوهات اعتدالا، تعاد هيكلة ديون إيطاليا الرسمية فقط ــ والتي تحتفظ بها حكومات أخرى أو منظمات دولية ــ وهذا من شأنه أن يحد بعض الشيء من اضطراب الأسواق المالية. بيد أن إعادة هيكلة الديون الرسمية قد لا تكون كافية. فعلى النقيض من اليونان (بعد عام 2010)، حيث احتفظ الدائنون الرسميون بنصيب الأسد في الدين، يحتفظ سكان محليون بالقسم الأعظم من الدين العام الإيطالي. ويفرض هذا علاوة مخاطر على الاستراتيجية التي تقلل من هروب رأس المال (والتي لا يمكن تجنبها بالكامل). وعند هذه المرحلة، ينبغي لصناع السياسات أن يستهدفوا حل مشاكل إيطاليا التي لا تعمل على توليد مخاطر ومضاعفات إضافية. ولكن لا يوجد سبب يُذكَر يجعلنا نتوقع منهم إصابة الهدف بنجاح.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/1KeUbD7/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.