0

الأورام الخبيثة والوراثة

هانوفر، ألمانيا ـ يُعَد سرطان الثدي من بين أكثر أشكال الأورام الخبيثة تهديداً للحياة، فهو يصيب واحدة من كل عشر نساء في بلدان العالم الغربي. وإذا فحصنا التاريخ العائلي لمائة من النساء اللاتي يتمتعن بصحة جيدة، فسوف نجد أن قريبة واحدة على الأقل من الدرجة الأولى من قريبات خمس عشرة منهن كانت قد أصيبت بهذا المرض.

والواقع أن التحقيقات أثبتت أن خطر الإصابة بسرطان الثدي يتضاعف تقريباً بين الإناث اللاتي يتضمن تاريخهن العائلي إناثاً أصبن بسرطان الثدي. وفي الفترة 1944-1945، تم التعرف على الجين (المورثة) البشري BRCA1 ، والجين البشري BRCA2 ، باعتبارهما المتهمين الأساسيين وراء الإصابة بسرطان الثدي. ويرتبط العشرات من طفرات هذين الجينين بارتفاع خطر الإصابة بسرطان الثدي وسرطان المبيض الوراثيين. والنساء اللاتي يحملن أشكالاً شاذة من هذين الجينين تبلغ نسبة خطر إصابتهن بسرطان الثدي طيلة حياتهن حوالي 85%، في حين يبلغ الخطر المتزايد بالإصابة بسرطان المبيض حوالي 55% بين النساء اللاتي يحملن شكلاً شاذاً من أشكال الجين BRCA1 ، وحوالي 25% بين النساء اللاتي يحملن شكلاً شاذاً من أشكال الجين BRCA2 . وفي الآونة الأخيرة توصلت دراسات ضخمة لتحليل التأثيرات المترتبة على انحراف واحد من انحرافات النيوكليوتايد في الحمض النووي الجينومي، والذي يطلق عليه تعدد الشكل الأحادي للنيوكليوتايد ( SNP )، فيما يتصل بخطر الإصابة بسرطان الثدي الناتج عن الجين BRCA1 والجين BRCA2 ، توصلت إلى ما يطلق عليه مُعَدِّل تعدد الشكل الأحادي للنيوكليوتايد والذي قد يزيد أو يقلل من خطر الإصابة بسرطان الثدي على مدى الحياة.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

كما توصلنا أيضاً إلى أن 20-40% فقط من حالات سرطان الثدي التي تتجمع بين الأسر تأتي من التحولات الجرثومية للجين BRCA1 ، أو الجين BRCA2 ـ وهي التحولات الوراثية الموجودة منذ الولادة في كل خلية من خلايا الجسم والتي قد تنتقل إلى الأبناء. ومن المعروف أيضاً أن زيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي ترتبط بالعديد من الأعراض الموروثة، مثل عَرَض Li-Fraumeni ، وهي الحالة التي ترتبط بشكل أكبر بظهور أشكال متعددة من الأورام الخبيثة في مرحلة الطفولة، بما في ذلك ساركومات الخلايا اللينة، وأنواع اللوكيميا، وأورام الدماغ. ولكن في أغلب حالات سرطان الثدي العائلي، يظل الاستعداد الوراثي غير مفهوم بشكل كامل. والواقع أنه لم يتم التوصل إلى جينات أخرى ترتبط تحوراتها بارتفاع خطر الإصابة بسرطان الثدي على مدى الحياة.

ومؤخراً توصلت توجهات جديدة في التحقيق في الجينات المسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، فضلاً عن دراسات ضخمة لتأثيرات تعدد الشكل الأحادي للنيوكليوتايد على سرطان الثدي، توصلت إلى فئتين من عوامل قابلية الإصابة بسرطان الثدي. وتحتوي إحدى الفئتين على الطفرات أو التحورات في الجينات المسؤولة عن إصلاح الحمض النووي. والواقع أن تكرار هاتين الفئتين نادر، ولا يمكن العثور على بعض الطفرات إلى في مجموعات سكانية متميزة، ولكن هذه الفئة من عوامل قابلية الإصابة ترتبط بزيادة طفيفة في خطر الإصابة بسرطان الثدي. وبوضع عاملي التكرار وخطر الإصابة في الحسبان فمن الممكن أن نسمي هذه الفئة من عوامل قابلية الإصابة بسرطان الثدي "طفرات نادرة متوسطة النفاد ".

أما الفئة الأخرى فتشتمل على ما يعرف باسم "تحورات شائعة منخفضة النفاد". والواقع أن العواقب البيولوجية المترتبة على هذه الفئة غير معلومة، ولكن التحليل الإحصائي أظهر أنها مرتبطة بزيادة نسبية كبيرة في خطر الإصابة بسرطان الثدي، وهو خطر ضئيل على النقيض من الفئة الأولى.

ولقد قامت عدة شبكات وجمعيات وطنية بوضع نماذج لتقدير خطر الإصابة بسرطان الثدي في النساء من ذوات التاريخ العائلي الإيجابي. ولقد أصبح لدينا معايير للاختبار الجيني لكل من الجين BRCA1 والجين BRCA2 والمبادئ الاسترشادية لبرامج المراقبة المكيفة وفقاً لخطر الإصابة ـ بما في ذلك التدابير الجراحية المقللة للمخاطر، حين تقتضي الضرورة.

ولكننا لا نعرف شيئاً حتى الآن عن المنفعة السريرية لعوامل القابلية للإصابة والتي تم تحديدها أخيراً، وما إذا كانت تنتمي إلى الفئة الأولى أو الثانية. وفي حين تبين أن عوامل القابلية الجديدة للإصابة ترتبط ارتباطاً كبيراً بالزيادة النسبية في خطر الإصابة بسرطان الثدي، فإن الأهمية الإحصائية لا توحي بمنفعة سريرية للإدارة الوقائية والعلاجية لسرطان الثدي ـ أو على الأقل ليس بعد. واليوم، لا يتوفر لدينا مبادئ توجيهية كافية لاتخاذ قرار سريري معلل فيما يتصل بوجود أو غياب عوامل القابلية الجديدة هذه. وفي ظل هذه الظروف فإن اختبارها لن يسفر إلا عن استفزاز أسباب هائلة لانعدام اليقين، وهو ما قد يؤدي إلى تدخلات غير ضرورية في الحاملات وشعور زائف بالأمن في غير الحاملات لجينات المرض، كما هي الحال بين أقاربهن.

واليوم بات من المقبول على نطاق واسع أن سرطان الثدي، سواء كان عائلياً أو متفرقاً، من الممكن أن يُفهَم بوصفه مرضاً معقداً. وعلى هذا فإن الحصة الفردية المحددة جينياً من خطر الإصابة بسرطان الثدي تشكل نتيجة لطفرات وتحورات وراثية عديدة. ولتحقيق الاستفادة الكاملة من العوامل الجينية للقابلية للإصابة، فمن الضروري أن نفهم العواقب البيولوجية المترتبة عليها.

فضلاً عن ذلك فإن نماذج التنبؤ بالخطر والتي يمكن الاعتماد عليها مطلوبة لكي نعرف المزيد عن التأثير المشترك لبعض أنماط عوامل القابلية للإصابة على خطر الإصابة على مدى الحياة والاستجابة للعلاج، بما في ذلك دورها باعتبارها موضوعاً لعلاجات مستهدفة. وأخيراً وليس آخراً فلابد من وضع المعايير اللازمة لتحديد الاختبارات الجينية الضرورية ومن ينبغي أن يخضع لها.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وبالتالي فإن السؤال الأول الذي يحتاج إلى الإجابة ليس ما إذا كان علينا أن نختبر أو لا نختبر. بل في البداية، يتعين على الخبراء أن يسألوا أنفسهم ما إذا كانت نتيجة الاختبار الجيني لعوامل القابلية للإصابة من الممكن أن تساعد في اتخاذ القرار السريري على أساس مبادئ توجيهية مقبولة عموماً. وإذا كان الرد بالسلب فلن تضطر طالبات المشورة إلى إهدار الوقت والمال على الاختبارات. ومن ناحية أخرى، إذا كان الرد بالإيجاب، فيتعين على طالبات المشورة أنفسهن أن يقررن ما إذا كن راغبات في الخضوع للاختبار أم لا.

لقد أدى فحص الجينوم البشري بحثاً عن عوامل قابلية الإصابة بسرطان الثدي إلى التعرف على تنوعات جينية جديدة، فضلاً عن ذلك فإن الدراسات المستمرة والتطورات التقنية لابد وأن تؤدي إلى اكتشافات كبيرة إضافية. إن التحدي اليوم يتمثل في استكشاف الأهمية السريرية لهذه الاكتشافات وترجمتها إلى رعاية صحية يومية. والتعامل مع هذه التحديات يشكل أهمية بالغة إذا كان لنا أن نحقق وعد التطبيب اعتماداً على حالة كل فرد بعينه، فضلاً عن المراقبة المكثفة وتوفير العلاج للمريضات الأكثر عُرضة للمرض وتجنب التدخلات غير الضرورية بل والخطيرة في التعامل مع المريضات المعرضات لخطر الإصابة بنسبة ضئيلة.