86

فزاعة الديون الوطنية

كمبريدج ــ يشعر أغلب الناس إزاء الدين  الحكومي بقدر من القلق أعظم من ذلك الذي قد يساورهم عندما يتعلق الأمر بالضرائب. "ولكنها تريليونات"، هكذا صَرَخ أحد أصدقائي مؤخرا في الاحتجاج على الدين الوطني في المملكة المتحدة. الحق أنه بالَغ قليلا: فمجمل الدين 1.7 تريليون جنيه إسترليني (2.2 تريليون دولار أميركي). ولكن أحد المواقع على الإنترنت يُبرِز ساعة تُظهِر الدين ينمو بمعدل 5170 جنيها إسترلينيا في الثانية. ورغم أن حصيلة الضرائب أقل كثيرا، فقد جمعت حكومة المملكة المتحدة 750 مليار جنيه إسترليني كحصيلة ضريبية في العام المالي الماضي. والواقع أن القاعدة الضريبية تنمو أيضا كل ثانية، ولكن لا تُظهِر ذلك أي ساعة.

يرى كثير من الناس أنه برغم كون الضرائب الثقيلة سببا لتثبيط الهمم، فمن الأشرف والأنزه أن تقوم الحكومات بتحصيلها لتغطية إنفاقها بدلا من تكبد الديون. فالاقتراض في نظرهم ما هو إلا وسيلة لفرض الضرائب خِلسة. تساءل صديقي: "كيف يعتزمون سدادها؟ فَكِّر في العبء الذي سيتحمله أبناؤنا وأحفادنا".

ينبغي لي أن أقول إن صديقي متقدم في السن للغاية. ويمكنك أن تلاحظ الرعب من الديون بين كبار السن بشكل خاص، ربما بسبب شعور قديم بأن المرء لا ينبغي له أن يقابل خالقه وهو يحمل دفتر موازنة سلبيا. وينبغي لي أن أضيف أيضا أن صديقي تلقى تعليما جيدا للغاية، وقد لعب في الواقع دورا بارزا في الحياة العامة. ولكن تدبير الموارد المالية العامة لغز بالنسبة له: فهو يستشعر في قرارة نفسه أن بلوغ الدين الوطني تريليونات الجنيهات ونموه بمقدار 5170 جنيها كل ثانية أمر بالغ السوء.

لا ينبغي للمرء أن يعزو هذا الشعور الدفين إلى الأمية المالية. فقد تلقى هذا التصور دعما قويا من أولئك الذين يفترض أنهم مخضرمون في الموارد المالية العامة، وخاصة منذ الانهيار الاقتصادي عام 2008. الواقع أن الدين الوطني البريطاني يبلغ حاليا نحو 84% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي نسبة قريبة إلى حد خطير من النسبة التي حددها الخبير الاقتصادي كينيث روجوف من جامعة هارفارد (90%)، والتي من بعدها يتوقف النمو الاقتصادي. بيد أن الخصائص السحرية لهذا الرقم لم يُكشَف عنها على النحو الصحيح قَط، وكانت البيانات التي تدعم الاستنتاج محل شك في أقل تقدير.