Financial professionals work on the floor of the New York Stock Exchange Drew Angerer/Getty Images

اندفاع طائش عقلاني؟

سانتياجو ــ كان التوقيت هازئا بدرجة ساحرة: فقد بلغت سوق الأسهم ذروتها ــ وبعد أسبوع بدأ الانهيار ــ بمجرد مغادرة الخبراء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام، حيث خلصوا إلى أن الاقتصاد العالمي يسلك مسارا صاعدا باضطراد. وفي الأسابيع التالية منذ ذلك الحين، انقسم الخبراء إلى معسكرين.

Exclusive insights. Every week. For less than $1.

Learn More

يعتقد بعض الخبراء، ومنهم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الجديد جيروم باول، أن الأساسيات الاقتصادية قوية، وأن ما شهدته أسواق الأسهم في أوائل فبراير/شباط كان مجرد هزة مؤقتة. ومن هذا المنظور، لا يوجد أي شيء يمنع البنوك المركزية الرئيسية من تنفيذ التطبيع "الجميل" (التدريجي وغير المؤلم) للسياسة النقدية.

ثم هناك أولئك الذين يعتقدون أن الأساسيات ضعيفة في واقع الأمر، وأن الارتفاع الحالي سوف يثبت كونه غير مستدام، وأن المستثمرين لابد أن ينظروا إلى التقلبات في سوق الأسهم باعتبارها نوبة صحيان ضرورية. وإذا كان الأمر كذلك فإن التحدي الذي يواجه السلطات النقدية والمالية الآن ليس "تطبيع" السياسات بل استحداث أدوات جديدة لمكافحة التباطؤ الآتي عاجلا أو آجلا.

الواقع أن المدرستين الفكريتين تشتركان في التركيز على الأساسيات، على النقيض من رأي ثالث ــ ومعقول للغاية في اعتقادي ــ مفاده أن تقلب أسعار الأصول الذي شهدناه لا يرتبط إلا قليلا، أو لا يرتبط على الإطلاق، بالتغيرات الطارئة على الأساسيات.

يزعم الأصوليون أن النمو السريع على أساس سنوي في متوسط الأجر المكتسب للساعة كان السبب المباشر وراء الانهيار. لكن الادعاء بأن مثل هذا التغيير الطفيف ــ من 2.7% في ديسمبر/كانون الأول إلى 2.9% في يناير/كانون الثاني (والذي يعتبره المراقبون انحرافا راجعا إلى عوامل موسمية) ــ كان كافيا لإشعال شرارة التصحيح في سوق الأسهم يمثل في حد ذاته ضربة موجهة ضد وجهة النظر الأصولية.

وعلاوة على ذلك، في حين كان من المفترض أن يمثل نمو الأجور موضع التساؤل نذيرا بالتضخم، فإن التضخم المتعادل لعشر سنوات تحرك نحو الانخفاض وليس الارتفاع خلال الأحداث الأخيرة. وكما أكَّد أناتول كاليتسكي فإن العوائد على سندات الخزانة لعشر سنوات لم تخترق سقف الـ3%، في حين لم تتحرك أسعار الصرف إلا بالكاد، وكل هذا يشير إلى أن الشائعات بشأن التضخم كانت موضع مبالغة عظيمة.

الواقع أن الدماغ البشري مهيأ لبناء المعرفة حول الروايات التي يمكننا أن نميز في إطارها ما إذا كان العامل (أ) ــ بجانب العامل (ب) والعامل (جـ) ــ السبب في إحداث (إكس)، وكيف. ونحن نميل إلى الشعور بعدم الارتياح إزاء فكرة مفادها أن أساسيات الاقتصاد لا تحدد أسعار أصوله، الأمر الذي يجعلنا نبحث عن علاقات سببية بين الاثنين. لكن هذه العلاقات لا تصبح سارية أو حقيقية بمجرد الاحتياج إليها أو الرغبة في إيجادها.

والفكرة القائلة بأن تحركات أسعار الأصول ربما تكون غير مرتبطة بالأساسيات ليست غريبة على دارسي النظرية الاقتصادية. ففي نهاية المطاف، هناك سببان للاحتفاظ بأي سهم: لأنه سيدر ربحا أو لأن سعره من المتوقع أن يرتفع. وتحركات الأسعار (المكاسب الرأسمالية المتوقعة) من الممكن أن تدفع قرارات الشراء والبيع حتى في غياب أي تغيير في الأرباح المتوقعة (الأساسيات). بعبارة أخرى، من العقلاني تماما أن نلاحق استراتيجية "الاستمرار في الشراء لأن السعر سيواصل الارتفاع" ــ إلى أن يتوقف عن الارتفاع.

ولكن متى يحدث ذلك؟ متى تنفجر الفقاعة؟ لم تتناول النظرية الاقتصادية هذه المسألة. أو في أفضل تقدير، ربما يلوح المنظرون بأيديهم حول صدمة خارجية للتوقعات (بمعنى أنها صدمة غير مفسرة). وربما تدوم الفقاعات لعقود من الزمن (كما حدث مع أسعار العقارات في المدن العصرية) أو لعدة دقائق فقط (كما هي الحال مع التقلبات المبررة خلال يوم تعامل واحد). الأمر المؤكد الوحيد، كما زعم جون ماينارد كينز، هو أن السوق من الممكن أن تظل منحرفة لمدة أطول كثيرا من قدرتك أو قدرتي على البقاء قادرين على الوفاء بالتزاماتنا.

ومن المرجح أن يؤدي الاستخدام الواسع النطاق للتداول بواسطة الآلات إلى زيادة الطين بلة. إذ تتباين الخوارزميات المستخدمة، وقد أصبحت أشد تعقيدا من أي وقت مضى. ولكن ما دامت تحتوي على عنصر وقف الخسارة ــ وهذه هي الحال غالبا ــ فإنها ستتسبب في إحداث نوبات من البيع لأسواق متدهورة، وهذا بدوره كفيل بتضخيم التقلبات.

ليس الأساتذة غير الشعبيين فقط هم من يشككون في أهمية الأساسيات. على سبيل المثال، تتحدث صحيفة فاينانشال تايمز عن صعود سلاسة جديدة من تجار النفط، الذين "لا يتفاعلون بالضرورة مع الأخبار حول العرض والطلب أو التصريحات الصادرة عن الرياض". بل إنهم يديرون تداولاتهم "استنادا إلى تحركات العملة، أو أسعار الفائدة، أو أسعار النفط ذاته". فهل أنتم مستعدون لفقاعة أسعار النفط؟

ربما نشأت فقاعة ضخمة بالفعل في سوق الأسهم الأميركية. في الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني، قبل بضعة أيام فقط من انهيار الأسهم، ذَكَّرَنا روبرت شيلر بأن الولايات المتحدة تمتلك سوق البورصة الأغلى في العالَم، والتي تشهد أعلى نسبة مكاسب سعرية معدلة دوريا بين 26 سوق بورصة تعمل وفقا لتدابير متماثلة. وقد أشار شيلر إلى الممارسة الشائعة المتمثلة في إعادة شراء الأسهم كتفسير محتمل، ولكنه خلص بعد ذلك إلى أنه "من المستحيل تحديد السبب التام وراء ارتفاع سعر سوق الأسهم الأميركية".

وعلى هذا فإذا لم يتم توجيه سعر أصل مالي ما ــ على الأقل لبعض الوقت ــ بالاستعانة بالأساسيات، فإلى أين قد يقود هذا البنوك المركزية؟ أعتقد أن هذا من شأنه أن يضعها بين المطرقة والسندان.

فمن ناحية، من غير الممكن أن تشعر البنوك المركزية بالارتياح إزاء اضطرارها إلى السماح لأسعار الأصول بالتحرك في أي اتجاه نتيجة لتوقعات ذاتية التحقق. في بعض الأحيان، يتعين عليها أن تتدخل لتغيير التوقعات، كما فعل رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي في يوليو/تموز 2012، عندما أعلن أن البنك المركزي الأوروبي سيفعل "كل ما يلزم" للدفاع عن اليورو (وأسعار سندات حكومات منطقة اليورو).

من ناحية أخرى، ليس من مهام البنوك المركزية السيطرة على أسعار الأصول. وعندما تخوض في هذا الاتجاه، فإنها تنزلق إلى المتاعب، كما تنبئنا بوضوح التجربة مع أسعار الصرف الثابتة ولكن القابلة للتعديل. ويبدو أن القليل من التقلبات أمر مفيد، سواء لتثبيط تدفقات رؤوس أموال المضاربة أو ردع المستثمرين الذين ينتظرون سياسات أشبه بفترة جرينسبان-برنانكي.

تُرى أين ينبغي لنا أن نرسم الخط الفاصل؟ ومتى يتحول تقلب "طيب" إلى تقلب شديد "السوء"؟ إنها أسئلة صعبة، والإجابة عليها لابد أن تكون محددة زمنيا وبما يتفق مع سياقها.

إن الاعتقاد في أن الأساسيات لا تعمل دوما على تثبيت أسعار الأصول ليس كالاعتقاد بأنها عديمة الأهمية، أو أن الأساسيات الحالية في الولايات المتحد في حال طيبة. فالحافز المالي الإضافي في وقت يتسم بالتشغيل شبه الكامل للعمالة والديون العامة الضخمة ليس بالضبط ما أمر به الطبيب. وبسبب كل هذه العوامل التعويضية على وجه التحديد، تشير تقديرات اللجنة المشتركة المعنية بالضرائب في الكونجرس الأميركي إلى أن التخفيضات الضريبية الأخيرة من شأنها أن تضيف 0.08 من النقطة المئوية فقط لمتوسط معدل النمو السنوي على مدار السنوات العشر المقبلة، وربما تكون التأثيرات الطويلة الأجل على الناتج أصغر أو حتى سلبية.

ومع ذلك، يظل مجتمع الأعمال في الولايات المتحدة متحمسا لهذا الإصلاح. وعلى هذا فربما يزيد رجال الأعمال الأميركيون المحافظون من استثماراتهم، ليس لأن التخفيض الضريبي كفيل بتحسين أساسيات الاقتصاد الأميركي وزيادة الطلب على منتجاتهم، بل فقط لأنهم يعتقدون أنه سيفعل ذلك؟

وهذه أيضا مفارقة ساحرة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/Q5yNy7Y/ar;

Handpicked to read next