Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

benami158_HUSSEIN FALEHAFP via Getty Images_iraqprotestfireflag Hussein Faleh/AFP via Getty Images

لا تنتظروا ربيعا عربيا آخر

تل أبيب ــ "شبح يطارد العالم الغني. إنه شبح عدم القابلية للحكم": هكذا بدأ المقال الافتتاحي في مجلة الإيكونيميست في وقت سابق من هذا العام، في إعادة صياغة للسطر الافتتاحي في البيان الشيوعي. لكن ليس الغرب وحده الذي يتصارع مع عدم القابلية للحكم. ففي مختلف أنحاء العالم العربي، أوضح المحتجون أنهم لن يقبلوا الخضوع للحكم إلى أن يسلم قادتهم الحكم الصالح.

الواقع أن الأسباب المباشرة التي أشعلت شرارة الاحتجاجات تتفاوت من بلد إلى آخر. ففي الجزائر، كان إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن ترشحه لولاية خامسة هو الذي دفع الناس إلى التدفق إلى الشوارع. وفي مِصر، كان تقليص الحكومة لبرنامج دعم الغذاء، الذي يوفر السلع الأساسية مثل الأرز للملايين من المواطنين. وفي إيران، كان السبب زيادة أسعار الوقود التي كانت مدعومة بدرجة كبيرة سابقا بنسبة 50%؛ وفي السودان، كان السبب راجعا إلى الأسعار المرتفعة ونقص الخبز؛ وفي لبنان، كان السبب الضريبة المقترحة على المكالمات الصوتية على تطبيقات مثل واتساب.

لكن هذه الشرارات لم تتسبب في إشعال حرائق ضخمة إلا بفضل قدر كبير من التهييج وصب الزيت على النار. فحتى بعد استقالة بوتفليقة، وإعادة تسجيل 1.8 مليون شخص في برنامج دعم الغذاء في مِصر، وإلغاء الضريبة على الواتساب في لبنان، اندلعت الاحتجاجات.

من المغري أن نفترض أن توق جماهير الناس إلى الديمقراطية هو الذي يؤجج نيران اليوم، كما كانت الحال مع انتفاضات الربيع العربي في عام 2011. لكن الربيع العربي انتهى إلى حكم إسلامي استأثر بكل شيء في بعض الحالات، وانهيار الدولة الفعلي في حالات أخرى. الآن بعد أن أصبحوا أكثر إنهاكا من أن يتوقعوا حكومات ديمقراطية بالكامل (فالجيش، في نظر أغلب الناس، سيحكم دائما في النهاية)، يطالب المحتجون بحكومات عاملة ومسؤولة إلى حد معقول.

تعتمد أي دولة عاملة، سواء كانت ديمقراطية أو غير ذلك، على عقد اجتماعي حيث تستمد الحكومات شرعيتها من قدرتها على توفير الظروف الكفيلة بتحقيق تقدم اقتصادي مضطرد، ووظائف جيدة، وشبكة أمان اجتماعي جديرة بالثقة. الواقع أن الدكتاتوريات العربية، المدينة لمصالح اقتصادية غامضة والتي تحميها أجهزة أمنية فاسدة وغير خاضعة للمساءلة، تنتهك هذا العقد بانتظام.

كانت التطورات الأخيرة ــ مثل انخفاض عائدات النفط، وفي مِصر التعديل البنيوي الذي طلبه صندوق النقد الدولي ــ سببا في تفاقم المصاعب الاقتصادية التي تواجه الشعوب العربية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى نقطة الانهيار. في العراق، أصبح الإحباط إزاء الفساد والبطالة حادا إلى الدرجة التي لم تعد الجماهير معها في احتياج إلى شرارة مباشرة واضحة لدفعهم إلى النزول إلى الشوارع.

Subscribe now
Bundle2020_web

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

الواقع أن هؤلاء المحتجين تحفزهم إلى حد كبير مطالب مادية ملموسة، مثل توفير المزيد من فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وخفض تكاليف المعيشة، فضلا عن اتخاذ تدابير مكافحة الفساد. وهم يأملون أن يساعد هذا النهج في تمكين حركتهم من تجنب مصير الربيع العربي، خاصة وأن دعمه يتقاطع مع خطوط طائفية.

فشلت ثورات الربيع العربي في 2011 جزئيا بسبب الانقسامات المجتمعية العميقة التي كشفت عنها ــ بين الشيعة والسُنّة، والدروز والأكراد، والجهاديين المتطرفين وأنصار الإسلام السياسي، والبربر والعرب، والمسيحيين والمسلمين. وقد سارع الحكام المستبدون المحاصرون إلى استغلال هذه التوترات لإضعاف المعارضة وإعادة تأكيد سلطتهم.

لا تفتقر الجزائر، والعراق، ولبنان، والسودان إلى الانقسامات العِرقية والدينية، بما في ذلك تاريخ من الصراع الطائفي. ومع ذلك، كان المحتجون هناك قادرين على تجاوز خلافاتهم. ففي الجزائر، صرخ المحتجون: "لا بربر، ولا عرب، ولا عِرق، ولا دين! كلنا جزائريون". ويبدو الأمر كما لو أنهم ما زالوا متمسكين بوعد الدولة القومية العربية التعددية.

لم يخل الأمر بكل تأكيد من دعوات تنادي بإصلاحات سياسية شاملة. ففي لبنان، حتى بعد أن كشف رئيس الوزراء سعد الحريري عن مجموعة كبيرة من الإصلاحات الاقتصادية، استمرت الاحتجاجات، وكان كثيرون يأملون في الإطاحة بالطبقة السياسية بالكامل. وفي الجزائر، قاطع المحتجون الانتخابات الرئاسية التي أعقبت خلع بوتفليقة، على أساس أن كل المرشحين كانوا على صِلة وثيقة بحكمه.

لكن تحقيق الوئام بين الأعراق سيظل دوما مهمة أسهل عندما يركز المحتجون على مظالم اقتصادية مشتركة، وليس على أحلام الديمقراطية وبناء الأمة المفخمة. ففي لبنان، نجد أن النظام السياسي الذي يحاول المحتجون إسقاطه طائفي في الأساس ــ وهو النظام الذي أصبح الآن رهينة لمخططات حزب الله وإيران الإقليمية.

مع ذلك فإن أفضل أمل للشعب في تحدي القوى القائمة، في الأمد البعيد، يتلخص في تشكيل ائتلاف عريض بين الأعراق. وتُظهِر معارضة حزب الله العنيفة للاحتجاجات في لبنان إلى أي مدى تهدد الأجندة المدنية المتعددة الأعراق ثقافة المقاومة المهيمنة التي تعمل على تمكين بعض الأطراف.

في الوقت الحاضر، وحتى على الرغم من حرص المحتجين على تجنب بعض مزالق انتفاضات 2011، فإنهم ظلوا معرضين للخطر بشدة. فهم يجابهون أجهزة قمعية قوية لا يقودها أشخاص مقنعون ولا تحكمها استراتيجيات واضحة. ففي العراق قُتِل المحتجون برصاص الشرطة. وفي إيران، تجاوزت حصيلة القتلى 300 شخص، في حين اعتُقِل الآلاف. ونفذت مِصر أيضا آلاف الاعتقالات، حيث كان الصحافيون بين الأهداف الرئيسية للقوات الأمنية.

ونظرا لعزوف أي قوة أجنبية عن التدخل لوقف هذه الحملات الصارمة، فإن الاحتمالات ضد المحتجين واضحة. في عام 2011، كان الغرب بقيادة الرئيس الأميركي صاحب المبادئ باراك أوباما، حريصا على الأقل على دفع العالم العربي نحو الديمقراطية. واليوم يتولى تحديد النغمة دونالد ترمب ــ الذي لا يبالي كثيرا بأي من مسؤوليات أميركا الدولية، والذي وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ذات مرة بأنه "الدكتاتور المفضل". ومن جانبها، تناضل أوروبا لكبح جماح الحركات الاستبدادية والفاشية الصاعدة على أرضها.

اليوم، عَـدَّل المحتجون العرب تكتيكاتهم وأهدافهم بحيث تعكس دروس الربيع العربي. وربما يفوزون ببعض التنازلات التي تهدف إلى جعلهم قابلين للحكم مرة أخرى؛ والحق أنهم فازوا ببعض التنازلات بالفعل. ولكن يظل من غير المؤكد ما إذا كانوا قادرين على التغلب على مقاومة الأجهزة القمعية التابعة لحكوماتهم لتأمين تحسينات حقيقية في الحكم.

https://prosyn.org/2gt2Zbrar;