2

علم الوراثة في خدمة الشعب

لندن ــ "إن معلوماتك الجينية لابد أن تكون تحت سيطرتك أنت وحدك"، هكذا يقول إعلان لشركة الاختبارات الوراثية الأميركية التي تتعامل مع المستهلك مباشرة "23 وأنا" (23andMe). وفي خضم الضجة الحالية بشأن التنصت الإلكتروني، فإن الفكرة القائلة بأن الأفراد لابد أن يقرروا بأنفسهم من يستطيع الوصول إلى بياناتهم الشخصية تكتسب جاذبية خاصة. ولكن يظل من المشكوك فيه على أفضل تقدير ما إذا كانت شركة "23 وأنا" تمارس ما تعظ به حقا.

الواقع أن حتى بعض "الليبراليين تكنولوجيا" والذين يعتقدون أن الحكومة لا ينبغي لها أن تتدخل لتنظيم التطورات الجديدة في مجال التكنولوجيا الحيوية، أيدوا القرار الذي اتخذته إدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة ــ والذي ورد في رسالة لاذعة وجهتها إلى الرئيسة التنفيذية للشركة آن فوجسيكي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ــ بمنع الشركة من تسويق اختباراتها في انتظار المزيد من التحاليل العلمية. وفي مجلة فوربس كتب ماتيو هيربر: "أود لو كان بوسعي أن أقول إن إدارة الأغذية والأدوية تقف بشكل متعسف لا مبرر له في طريق الإبداع وروح المغامرة التجارية بتضييقها الخناق على شركة (23 وأنا). كنت أتمنى حقاً لو كانت هذه هي القصة التي سأعرضها عليكم الآن، ولكنها ليست كذلك".

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ووفقاً لإدارة الأغذية والأدوية فإن تسويق الشركة لخدمات الجينوم الشخصية غير المعتمدة يشكل مخالفة للقانون الفيدرالي، لأن الشركة لم تثبت رغم مرور ست سنوات أن الاختبارات ناجحة ومجدية حقا.

وتتعرض الشركة أيضاً لانتقادات حادة من مستخدميها. فبعد خمسة أيام فقط من رسالة إدارة الأغذية والأدوية، أقامت ليزا كيسي وهي سيدة من كاليفورنيا دعوى تعويض فئوية ضد الشركة بمبلغ 5 مليون دولار، زاعمة أنها تمارس دعاية كاذبة ومضللة.

إن الشكوك المحيطة بخدمات الجينوم الشخصية ا��تي تقدمها الشركة لم تنشأ حديثا. ففي عام 2008، اعتمدت الجمعية الأميركية لعلوم الأورام السريرية تقريراً أعلن أن النمط الجزئي من التحليل الجيني والذي تقدمه الشركة لم يثبت فعاليته سريرياً في علاج السرطان. وبعد عامين، خلص مكتب المساءلة التابع للحكومة الأميركية بعد تحقيق مطول أن الاختبارات الجينية المباشرة للمستهلكين تقدم نتائج "مضللة" ــ وهو الوضع الذي زاده "التسويق المضلل" تعقيدا.

وكانت شركة 23 وأنا تعرض اختباراً تكلفته 99 دولاراً لنحو 250 حالة مترابطة وراثيا، استناداً إلى قراءة جزئية لنوكليوتيد أحادي متعدد الأشكال ــ ويشير إلى حيث تختلف الصور الجينومية للأفراد بزوج أساسي منفرد من الحمض النووي. ولأن الاختبارات الجينية المباشرة للمستهلكين تستهدف جزءاً ضئيلاً فقط من ثلاثة مليارات علامة يحتوي عليها الجينوم البشري، ولأن الشركات المتعددة تأخذ عينات مختلفة من النوكليوتيد الأحادي المتعدد الأشكال، فإن الاختبارات المختلفة قد تنتهي إلى نتائج متباينة لنفس العميل، والذي قد يتخذ وفقاً لذلك قرارات طبية خطيرة استناداً إلى معلومات غير دقيقة. ومن غير المستغرب في هذا السياق أن يدرك حتى أولئك الذين يعارضون القواعد التنظيمية في العموم الحاجة إلى فرض التنظيمات في حالة الاختبارات الجينية المباشرة للمستهلك.

ولكن القضية تذهب إلى ما هو أبعد من مسألة عدم الدقة. فكما أشار الصحافي تشارلز سيف، فإن اختبارات التجزئة الوراثية "كان المقصود منها أن تكون الواجهة الأمامية لعملية جمع معلومات واسعة النطاق ضد جمهور جاهل". والواقع أن عملاء الشركة يدخلون على حساباتهم فيدعون إلى تعبئة دراسات مسح حول أساليب حياتهم وخلفياتهم العائلية وصحتهم، وهو ما من شأنه أن يضيف قيمة تتعلق بدراسة انتشار الأمراض للبيانات الجينية، والتي تستخدم بعد ذلك من قِبَل الذراع البحثية للشركة، 23 ونحن.

وبتقديم هذه المعلومات، يشيد عملاء الشركة "بنكاً حيويا" قيماً لها. ولأن الولايات المتحدة قررت عدم إنشاء بنكاً حيوياً وطنياً كذلك الذي أنشأته المملكة المتحدة، نظراً لتكاليف الإنشاء الباهظة ــ والتي تقدر بنحو مليار دولار ــ فإن شركة 23 وأنا قد ترى في بنكها الحيوي المتنامي توفيراً هائلاً للنفقات.

وقد وافق نحو 60% من عملاء الشركة على تقديم المعلومات المطلوبة. فبطبيعة الحال، قد يزعم المرء أن هؤلاء ليسوا "جمهوراً جاهلا"، ولكنهم متطوعين يؤثرون على أنفسهم ــ وأسخياء في واقع الأمر إلى حد أنهم بعيداً عن الدفع في مقابل الخدمة يسلمون الشركة قيمة عملهم اللاحق في توفير البيانات الوبائية.

والواقع أن توم سوير مارس هذا العمل بنجاح عندما أقنع أصدقاءه بأن يدفعوا له في مقابل الحصول على ميزة القيام بالنيابة عنه بواجبه الكريه في طلاء السياج الخشبي. ولكن أغلب المشاركين في البحوث العلمية كموضوعات بحث إما يحصلون على تعويض أو يساهمون بوقتهم مجانا؛ ولكنهم لا يدفعون في مقابل المشاركة.

لقد ارتبطت دعوى كيسي القضائية بهذه الممارسة، والتي وصفها محاميها بأنها "وسيلة مكشوفة للغاية لحمل الناس على دفع المال للشركة لبناء قاعدة بيانات الحمض النووي". وحتى شركة 23 وأنا تعترف بأن البنك الحيوي يشكل جوهر استراتيجية الشركة. فيقول عضو مجلس إدارة الشركة باتريك شونج: "إن اللعبة الطويلة الأمد هنا ليست جمع المال ببيع مجموعة أدوات، وإن كانت مجموعات الأدوات تشكل ضرورة أساسية للحصول على البيانات على مستوى القاعدة، وبمجرد الحصول على البيانات فإن الشركة تصبح في واقع الأمر أشبه بمحرك البحث جوجل لمجال الرعاية الصحية الشخصية".

وهذه هي المشكلة على وجه التحديد كما يرى تشارلز سيف. ذلك أن المخزون الضخم الذي تراكم لدى شركة جوجل من بيانات الشركات من خلال كل عمليات البحث الفردية أصبح الأصل الأكثر قيمة لديها. ويقول تشارلز سيف: "من خلال توزيع المعلومات لمساعدة المعلنين في استهداف عملائهم، سواء بموافقتك أو من دونها، تجمع شركة جوجل أكثر من 10 مليار دولار كل ربع عام". وبعبارة أخرى، تحول المستخدمون إلى منتج.

من المؤكد أن بيان الخصوصية الذي تعرضه شركة 23 وأنا ينص على أن الشركة "تستخدم المعلومات الوراثية والشخصية فقط من الأشخاص الذين يسجلون موافقتهم". ولكنه يشمل أيضاً تفويضاً آخر أقل وضوحا: "إذا لم تمنحنا موافقتك... فقد يظل بوسعنا أن نستخدم بياناتك الجينية و/أو الشخصية لأغراض البحث والتطوير. وقد يتضمن هذا الكشف عن معلومات جينية وشخصية مجمعة لصالح طرف ثالث غير ساعي إلى الربح و/أو شركاء بحث تجاريين لن يقوموا بنشر هذه المعلومات في المجلات العلمية المخصصة لاستعراض الأقران".

وبعبارة أخرى، فإن الاستخدام التجاري لمعلومات غير تعريفية لا يزال مسموحاً به من دون الحصول على موافقة صريحة من المانحين. وهذا هو ما يثير مخاوف المتحررين ــ وكل من يهتم بتوسع الجهود الرامية إلى جمع المعلومات عن الأفراد على الإنترنت.

Fake news or real views Learn More

وعلى حد تعبير موقع مدونة 23 وأنا على الإنترنت فإن "ويكيبيديا ويوتيوب وماي سبيس قررت جميعها أن تغير العالم من خلال تمكين الأفراد من تبادل المعلومات. ونحن نعتقد أن هذه الظاهرة من الممكن أن تؤدي إلى إحداث ثورة في الرعاية الصحية". ولكن إذا تبادل الأفراد المعلومات كرها، فإن التمكين سوف يكون من نصيب الشركة ــ وليس عملائها.

ترجمة: أمين علي Translated by: Amin Ali