0

أساطير تشرنوبيل والأفكار الخاطئة عنها

تحل الذكرى السنوية العشرون لحادثة تشرنوبيل النووية الذي وقع في السادس والعشرين من إبريل نيسان 1986، وهي تحمل معها موجة جديدة من المزاعم الكئيبة بشأن تأثير تلك الحادثة على صحة الإنسان والبيئة. وكما أصبح من الطقوس المعتادة في المنسبات التذكارية، فإن الوفيات الناجمة عن هذه الحادثة أصبحت تحصى الآن بمئات الآلاف، وهناك تقارير جديدة تؤكد ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وتشوهات المواليد والمعدلات الإجمالية للوفيات.

والحقيقة أن هذه الصورة مشوهة ومحرفة إلى حد بعيد ـ كما أنها تلحق أكبر الضرر بضحايا حادثة تشرنوبيل. ذلك أن كل الدراسات العلمية المحترمة التي أجريت حتى الآن قد انتهت إلى أن تأثير الإشعاع كان أقل تدميراً مما كان متصوراً. والمعروف أن بضع عشرات من عمال الطوارئ الذين كافحوا النيران داخل المفاعل هم الذين تعرضوا لأمراض حادة ناتجة عن التعرض للإشعاع. وما زالت الدراسات مستمرة بشأن ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية بين الذين شاركوا في عمليات التفكيك والإزالة في موقع المفاعل خلال الأشهر التي أعقبت الحادثة. وهناك خمسة آلاف حالة إصابة بسرطان الغدة الدرقية، أرجعت إلى التعرض للأيودين المشع الذي امتصته أجسامهم عن طريق استهلاك الألبان خلال الأسابيع التي تلت الحادثة مباشرة، وكل هذه الحالات لأشخاص كانوا أطفالاً في ذلك الوقت.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

الحقيقة أن هذه الحادثة ترتب عليها قدراً كبيراً من المعاناة، وبصورة خاصة بين الثلاثمائة والثلاثين ألف الذين أعيد توطينهم بعد الحادثة. لا أحد يستطيع أن يشكك في هذا، ولكن بالنسبة للخمسة ملايين الذين يقيمون في المناطق التي تأثرت بالحادثة، والذين يشار إليهم باعتبارهم "ضحايا تشرنوبيل"، فإن كمية الإشعاع التي تعرضوا لها غير مؤثرة بالمرة على الصحة البدنية.

وهذا لأن هؤلاء الناس تعرضوا لجرعات منخفضة من الإشعاع، والتي في أغلب الأحوال كانت مماثلة للمستويات الطبيعية في البيئة. والحقيقة أن عقدين من الاضمحلال الطبيعي للإشعاع والإجراءات العلاجية تعني أن أغلب المناطق التي حكم عليها في البداية بأنها "ملوثة"، لم تعد تستحق هذا الوصف. وباستثناء سرطان الغدة الدرقية الذي عولج بنجاح في 98.5% من الحالات، فلم يتمكن العلماء من تسجيل أي ارتباط بين الإشعاع وبين أي حالة جسدية مرضية.

وإذا كان هناك تأثير واضح لهذه الحادثة فهو التأثير على الصحة العقلية. فعلى ما يبدو أن الخوف من الإشعاع يفرض تهديداً أكثر قوة على الصحة من الإشعاع ذاته. فأعراض الإجهاد شائعة بصورة واضحة، والعديد من المقيمين في المناطق المتأثرة يعتقدون عن اقتناع تام بأنهم محكوم عليهم باعتلال الصحة والوفاة في سن مبكرة بسبب الإشعاع.

ويرجع هذا في جزء منه إلى أن الاستجابة الأولية من قبل السلطات السوفييتية كانت محاطة بالسرية والكتمان: فلم يظهر ميخائيل جورباتشوف الزعيم السوفييتي آنذاك على شاشات التلفاز لعرض تفاصيل الحادثة إلا بعد أسابيع من وقوعها، وبالتحديد في الرابع عشر من مايو أيار 1986. وعلى ذلك فقد وجدت الأساطير والمفاهيم الخاطئة مكاناً لها، وأصبح من المستحيل تصحيحها حتى بعد الجهود التالية التي سعت إلى تقديم المعلومات الجديرة بالتصديق. وبجانب التعويضات الهائلة التي ترتبت على تصنيف الحكومة للملايين من قاطني المناطق التي تأثرت بحادثة تشرنوبيل باعتبارهم عاجزين، فقد شجعت هذه الأساطير على تنامي مشاعر الهلاك والسلوكيات السلبية، وأدت إلى خلق "ثقافة التواكل" بين المجتمعات المتأثرة.

لقد ساعد منتدى تشرنوبيل التابع للأمم المتحدة، وهو عبارة عن جمعية مكونة من ثمانية هيئات تابعة للأمم المتحدة، وممثلين عن بيلاروسيا، وروسيا، وأوكرانيا، في تعزيز هذه النتائج. وكان منتدى تشرنوبيل قد تأسس لمواجهة الاضطراب السائد فيما يتصل بتحديد مدى التأثير الذي خلفته الحادثة، سواء بين عامة الناس أو المسئولين الحكوميين، وذلك من خلال إعلان قرار واضح بشأن القضايا التي يمكن التوصل فيها إلى إجماع علمي. ولقد نجحت جهود المنتدى في هذا الشأن، ففي شهر سبتمبر أيلول تم توجيه رسالة جديدة مطمئنة بشأن تأثير الإشعاع إلى عامة الناس. (يمكنكم الاطلاع على ملخص لهذه الرسالة على الموقع التالي:
http://www.iaea.org/Publications/Booklets/Chernobyl/chernobyl.pdf).

كان من الواجب أن يكون فيما توصل إليه منتدى تشرنوبيل من نتائج راحة للناس وتفريجاً لهمومهم، وذلك لأن هذه النتائج تؤكد أن الشبح الذي يطارد المنطقة ليس الإشعاع الذي لا يقهر، بل هو في الحقيقة شبح الفقر المهلك. إن المنطقة تحتاج الآن إلى سياسات ترمي إلى توليد مصادر جديدة لكسب العيش بدلاً من تشجيع روح التواكل؛ علاوة على حملات الصحة العامة التي تتناول القضايا المتعلقة بأساليب حياة الناس (مثل التدخين ومعاقرة الخمر) والتي تتهدد صحة الناس في كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق؛ ولا ينبغي لنا أن ننسى مبادرات التنمية المجتمعية التي من شأنها أن تعمل على تشجيع الاعتماد على الذات والعودة إلى الحياة الطبيعية.

لكن ردود الأفعال تجاه الرسالة التي بثها منتدى تشرنوبيل كان مختلطة إلى حد يثير الدهشة. فقد عاد بعض المسئولين إلى تلك اللغة المنذرة بشأن عدد الوفيات الناجمة عن تشرنوبيل. أما بعض الجمعيات الأهلية وجمعيات الإحسان لضحايا تشرنوبيل فقد استقبلت الرسالة بعدم التصديق، واستشهدت بالحالة الصحية المتدهورة في المنطقة بصورة عامة. كما ادعى مناهضي استخدام الطاقة النووية أن المصالح الخاصة أودت بمصداقية منتدى تشرنوبيل ونزاهته.

الحقيقة أن مثل هذه الحجج وردود الأفعال، في مواجهة الهيئة العلمية المحترمة التي قام عليها منتدى تشرنوبيل، تعكس قدراً من العناد، ليس فقط فيما يتصل بالأساطير والمفاهيم المغلوطة، بل وتعكس أيضاً بعض المصالح الراسخة. ذلك أن النظرة الجديدة إلى تشرنوبيل تهدد وجود جمعيات الصدقة ـ كتلك التي تعرض إرسال الأطفال في رحلات استشفاء إلى الخارج ـ التي تعتمد في جهودها لجمع التبرعات على مواد تصويرية وفيلمية لأطفال مشوهين.

كما أن هذا الفهم الجديد يحرم المسئولين في المنطقة من ممارساتهم الروتينية في استدرار التعاطف الدولي، حتى مع أن تكرار مثل هذه المناشدات بعد مرور عقدين من الزمان، لا يعود عليهم إلا بقدر ضئيل لا يذكر من المعونات المالية. إن هذه التوجهات، بتحريفها وتشويهها للحقائق المتصلة بحادثة تشرنوبيل، تهدد بتحويل الموارد المالية الضئيلة إلى مسار غير سليم في العلاج.

Fake news or real views Learn More

وأن حلول الذكرى السنوية العشرين لحادثة تشرنوبيل ليشكل فرصة مثالية لكافة الجهات المعنية لبذل جهود أمينة نزيهة لا غرض من ورائها. إن الحكومة على صواب في قلقها بشأن مصير المناطق التي تأثرت بفعل حادثة تشرنوبيل، لكن التقدم إلى الأمام في هذا الشأن يتطلب نوعاً جديداً من التفكير، واتخاذ القرارات الجريئة، وبصورة خاصة تحويل الأولويات من تقديم إعانات تافهة إلى الملايين من الناس، إلى الإنفاق الرشيد الذي من شأنه أن يساعد في توفير فرص العمل وتشجيع النمو الاقتصادي. وعلى نحو مشابه، فإن جمعيات الصدقة من حقها أن تنزعج بشأن صحة الناس، ولكن يتعين على هذه الجمعيات أن تركز على تشجيع عودة أساليب الحياة الصحية إلى المجتمعات المتأثرة بدلاً من إرسال الأطفال إلى الخارج وكأن بيوتهم مسمومة.

كل الأطراف من حقها أن تنزعج وتقلق بشأن المناطق المتأثرة، ولكن ما نحتاج إليه أكثر من أية معدات تشخيص متطورة، هو المعلومات الجديرة بالتصديق، والتي لابد وأن تقدم بصيغة يسهل على عامة الناس فهمها، من أجل مكافحة تراث الخوف المدمر الذي خلفته حادثة تشرنوبيل. لقد أصبح أطفال تشرنوبيل شباب ناضجين الآن؛ والحقيقة أن مصالحهم ومصالح أبنائهم من بعدهم، لن يخدمها الاستمرار في استحضار كابوس الإشعاع، بل إن هذه المصالح تتوقف على منح هؤلاء الناس الأدوات والسلطة التي يحتاجون إليها من أجل إعادة بناء مجتمعاتهم.